مرتبطة به ، وهذا هو الحظّ السعيد ، فيعتقد أنّ له حقيقةً وواقعاً وليس كذلك . وقد يكون الأمر معكوساً ، فيعتقد ما هو حقٌّ واقعٌ في الخارج باطلًا خرافيّاً كما نجد ذلك عند جملة من الفلاسفة الغربيين ، الذين يتوهّمون أنّ حقيقة الإنسان لا تتعدّى هذا الوجود المادّي المشهود لنا ، ولكنّ الفلسفة الإلهيّة تقول : إنّ هذا البدن المادّي هو مظهر لحقيقة أخرى وراءه مجرّدة عن المادّة وقوانينها وهي التي تؤلّف حقيقة الإنسان .
الهدف من تمييز الحقائق عن غيرها
إنّ الهدف الذي يروم الفيلسوف الوصول إليه من خلال تمييز الموجودات الحقيقيّة عن غيرها ، هو أنّ الإنسان مفطور على طلب الحقيقة والبحث عنها وتمييزها عن الأوهام التي لا واقع لها . أمّا لماذا يطلب الإنسان الحقيقة ويبحث عنها ، فهذا يستلزم الوقوف - ولو قليلًا - للتعرّف على بعض خصائص هذا الموجود الحيّ ، وما امتاز به عن الموجودات الحيّة الأخرى التي تشاركه في كثير من الخصوصيّات .
لعلّنا إذا أردنا أن نكشف عن السرّ الذي جعل من هذا الموجود الخاصّ أنه يستحقّ الخلافة عن الله دون غيره من الموجودات إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ( البقرة : 30 ) ، واستطاع أن يتحمّل الأمانة الإلهيّة إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ( الأحزاب : 72 ) ، لأمكن تلخيص ذلك في بعدين :
البعد الأوّل : أنّه كائنٌ مفكّر « 1 » ، ونعني بذلك أنّه يستطيع أن يستفيد من معلوماته التي يحصل عليها من خلال المسيرة الطويلة للجهد البشري في
هامش
( 1 ) عُرّف الفكر بأنّه : إجراء عمليّة عقليّة في المعلومات الحاضرة ؛ لأجل الوصول إلى العلم بالمجهول الغائب . المنطق ، الشيخ محمّد رضا المظفر ، منشورات فيروزآبادي : ج 1 ، ص 23 .