3 . الوهميّات : وهي الإدراكات التي لا مصداق لها إطلاقاً في الواقع الخارجي ، لا حقيقةً ولا اعتباراً ، بل هي باطلة من الأساس كتصوّر الغول والعنقاء « 1 » ونحوهما .
تأسيساً على ذلك : فإنّ واحدة من أهمّ الأهداف التي تروم الفلسفة تحقيقها من خلال موازينها الدقيقة ، هي « فصل الأمور الحقيقيّة عن الفئتين الأخريين . وتمييز الأمور الاعتباريّة - التي تبدو وكأنّها حقيقيّة - من الحقائق يعتبر من المواضيع المعقّدة التي زلّت فيها أقدام كثير من الفلاسفة بالنحو الذي أدّى بجملة من العلماء المحدثين في أوروبا ، والذين انصرفوا إلى نقد العقل وفهم الإنسان ، أن يفصلوا مخلوقات الذهن عن الحقائق التي لها واقعٌ خارجيّ ، وأدّى ذلك إلى انحراف بعضهم نحو السفسطة القائلة إنّ جميع المفاهيم هي مخلوقات ذهننا ، ودفع بعضهم الآخر إلى اختيار أسلوب الشكّ . وبذلت الفلسفة الإسلاميّة جهداً ملحوظاً في هذا المضمار ، وقدّمت تحقيقاتٍ نافعةً للتفكيك بين الاعتباريّات والحقائق » « 2 » .
وإلّا لو لم نميّز بين هذين السنخين من الإدراكات ، لانتهينا إلى ما ذهب إليه بعض الفلاسفة الغربيّين من تعميم أحكام الإدراكات الاعتباريّة إلى الإدراكات الحقيقيّة ، والقول بعدم وجود إدراكات مطلقة ودائمة وضروريّة .
كذلك تبذل الفلسفة جهوداً كبيرة لتمييز الحقائق عن الوهميّات ، فربّما يخطئ الإنسان فيرى ما ليس بحقٍّ حقّاً واقعاً في الخارج ، حيث قد يتوّهم أنّه لا رابطة ضروريّة بين الأفعال والغايات المترتّبة عليها ، من قبيل من يحفر بئراً ليصل إلى الماء فيعثر على كنزٍ ، مع أنّ العثور على الكنز ليس غايةً لحفر البئر
هامش
( 1 ) الغول والعنقاء إشارة إلى حيوانين وهميّين لا تحقّق لهما في الواقع الخارجي .
( 2 ) أسس الفلسفة والمذهب الواقعي : ص 46 .