والخلاصة : إنّ البحث الأصولي يكون بحثاً عمّا يرجع إلى الشارع ، ويكون شأناً من شؤونه ، فإنّ علم الأصول فرض علماً شرعيّاً مربوطاً بالشارع ، فالموجّهات العامّة الأصوليّة ، كلّها تعود إلى شأن من شؤون الشارع من حكم مجعول له ، أو حالة تشريعيّة عامّة فيه ، أو بناء عامّ من قبله تأسيساً كما في موارد النقل عمّا عليه العرف ، أو إمضاءً كما في موارد جريانه على طيف الفهم العرفي . وأمّا وثاقة الراوي فليست شأناً من شؤون الشارع ، ولا مأخوذة منه ، وكذلك كلّ ما كان من هذا القبيل ، كتشخيص كميّة الشهرة بحسب الخارج ، وتشخيص مقدار علم العلماء لمعرفة مقدار أثر الإجماع ، ولهذا لا يبحث في علم الأصول عن أحوال العلماء من ناحية مقدار علمهم وسعة باعهم ودقّتهم ، وإنّما يبحث ذلك في علم التأريخ ، كما يبحث عن الرواة في علم الرجال ، وإن كان كلّ ذلك من الموجّهات الصوريّة العامّة .
وذكر ( قدس سره ) في أوّل بحث الاستصحاب ما يقارب هذا البيان ، فقال : إنّ أبحاث علم الأصول لا تكون ضيّقة ، بحيث تؤخذ فيها مادّة من الموادّ الفقهيّة ، فلا تصبح منطقاً لعلم الفقه ، ولا تكون وسيعة بنحوٍ تكون منطقاً لعلوم أخرى أيضاً ، بل أخذت فيها الموادّ بدرجة سقطت عن قابليّة كونها منطقاً لسائر العلوم ، ولكنّها منطق لعلم الفقه ، ودخيلة في الاستنباط من دون شروط وقوعها كبرى في طريق الاستنباط ، والبحث عن وثاقة الراوي وإن كان أيضاً دخيلًا في الاستنباط ، ولكن هنا قيدٌ آخر ثابتٌ بالارتكاز المميّز بين علم الأصول ومثل علم الرجال ، وهو : أنّ علم الأصول يجب أن يكون مربوطاً بالحكم ، بمعنى أن يكون حكماً ظاهريّاً كحجيّة خبر الثقة ، أو يكون من مقتضيات الحكم في إحدى المراحل الثلاث : الجعل ، والإبراز ، والتنجيز أو التعذير ، فالأوّل كمباحث إمكان الترتّب ، والملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها ، ونحو ذلك من الأمور التي يقتضيها الحكم بحسب عالم جعله ، والثاني كمباحث دلالة الأمر على
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 364
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٦٤