النكتة الأولى : الفرق بين الجعل والحكم
عبّر ( قدس سره ) في الحلقة الأولى : ب - « استنباط الحكم الشرعي » ، وفي الحلقة الثالثة : « لاستنباط جعلٍ شرعيّ » ، ولم يقيّد أيّاً منهما ب - « الكلّي » ولكنّه ذكر هذا القيد في تقريرات بحثه ، حيث قال : « كدليلٍ على الجعل الشرعي الكلّي » ، فما هي النكتة في ذلك ؟
توضيح ذلك يستدعي بيان الفرق بين الجعل والحكم ، فإنّ للشارع أحكاماً لا يتوقّف ثبوتها في الشريعة إلّا على تشريعها وجعلها من قبل المشرّع ، فمثلًا : وجوب الحجّ في الإسلام لا يتوقّف إلّا على تشريعه ، سواء كانت شرائط الاستطاعة محقّقة آنذاك أم لا ؟ وهذا ما يسمّى بجعل الحكم وثبوته ، لكن هناك نحوٌ آخر من ثبوت الحكم يتوقّف بالإضافة إلى تشريع الحكم وجعله ، على توفّر خصائص الاستطاعة في المكلّف ، وهذا ما يصطلح عليه بفعليّة الحكم أو المجعول . فجعل الحكم معناه تشريعه ، وفعليّة الحكم معناها ثبوته فعلًا لهذا المكلّف أو ذاك .
إذا اتّضحت هذه المقدّمة نقول : إنّ الثبوت الأوّل للحكم قد يعبّر عنه ب - « الجعل » وقد يعبَّر عنه ب - - « الحكم الكلّي » . وقيد الكلّية هنا احترازيّ تمييزاً له عن الحكم في الثبوت الثاني ، الذي يثبت لهذا المكلّف أو ذاك فعلًا ، وهو حكم جزئيّ . وعلى هذا فالحكم تارةً يكون كلّياً وهذا ما يساوق الجعل ، وأخرى يكون جزئيّاً ، وهو ما يساوق فعليّة المجعول ، وهذا بخلافه في الجعل ، فإنّه لا يكون إلّا كلّياً ، وهو الثبوت الأوّل للحكم . من هنا يتّضح أنّ « الكلّية » إذا أضيفت إلى الجعل فلا تكون إلّا قيداً توضيحيّاً . . . بخلافه في الحكم فإنّه احترازيّ .
ولمّا كانت وظيفة الفقيه استنباط الحكم الكلّي لا الجزئي ، فلابدّ من إضافة قيد « الكلّية » إذا عرّفنا علم الأصول ، فيقال : « الحكم الشرعي الكلّي » . وأمّا إذا قلنا : « العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعلٍ شرعيّ » فلا حاجة إلى هذه