كذلك ، ليس من مسائل علم الأصول ، بلى هو مسألة معرفيّة مرتبطة بنظرية المعرفة ، ومع ذلك خصّص الأصوليّون لها مجالًا واسعاً في البحث الأصولي ؛ نظراً لعدم وجود بحث في نظريّة المعرفة في الحوزات الدينيّة .
ومن هنا ليس للفقيه أن يقول : بأنّ كلّ المقدّمات التي احتاج إليها في عمليّة الاستنباط موجودة في باقي العلوم فليس لي شأنٌ بها ؛ لأنّ هذه الأقسام الثلاثة من المسائل التي يحتاج إليها ، وهي غير موجودة في العلوم الأخرى بهذه الحيثيّات . ولذا استدعت الحاجة لإيجاد بابٍ جديد لهذه المسائل غير المنقّحة . ولكن السؤال في أيّ باب تندرج هذه المسائل ، وأين يبحثها الفقيه ؟
فهل يبحثها في باب الطهارة ، أم في باب الصلاة ، أم الصوم ؟ فمثلًا : حجّية خبر الثقة هل يجري البحث عنها في كتاب الصلاة وهي غير مختصّة به ، أم في باب الصوم ، أم الضمان ، أم الإجارة ؟ والحال في الجميع نفسه ، وليس لها باب معيّن . فاقتضت العمليّة التدوينيّة وليس الممارسة العمليّة الاجتهاديّة أن نفصلها شيئاً فشيئاً عن الفقه ، وليس عن علم الفقه بما هو علم ، لأنّ الممارسة الاجتهاديّة واحدة ، بل عن هذا الباب المعيّن بالخصوص ؛ لكونها غير مختصّة بمسائله .
ومن هنا وجدنا رأياً لعَلَمٍ من الأعلام هو الميرزا جواد التبريزي ( قدس سره ) في ضابط المسألة الأصوليّة حيث اعتبر أنّها كلّ مقدّمة ممهّدة لاستنباط الحكم الشرعي ، بشرط أن لا تبحث في علم آخر ، فلو جرى البحث فيها في علم الرجال أو اللغة أو غيرهما لما كانت مسألة أصوليّة .
قال في « دروس في مسائل علم الأصول » : « والحاصل . . . وإنّما لم تجعل مسائل علم الرجال ، وبعض مسائل علم اللغة من علم الأصول ، باعتبار وضوحها ، أو باعتبار معلوميّتها في علم آخر » « 1 » .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول دروس في مسائل علم الأصول ، الميرزا جواد التبريزي ، دار الصدّيقة الشهيدة ، ط 2 ، 1429 - قم : ج 1 ، ص 27 .