بكثير ممّا هو عليه في العصور المتأخّرة .
الأمر الثالث : إنّ المتخصّص في بابٍ من أبواب المعرفة لديه الكثير من المقدّمات التي يحتاج إليها لاستنباط أو استكشاف حكمٍ واحد في ميدان ومجال تخصّصه . وفي العمليّة الاجتهاديّة نرى أنّها مركبّة من مجموعةٍ كبيرة من العمليّات والعلوم ، ولذا كان لابدّ للمجتهد أن يكون مفسّراً ولغويّاً وأصوليّاً وكلاميّاً و . . . .
الأمر الرابع : إنّ هذه المقدّمات التي يحتاج إليها المتخصّص - ولاسيّما المجتهد والفقيه - هي عبارة عن عدّة مجموعات تختلف سنخيّتها بعضها عن بعض ، فهناك المجموعة ( أ ) هي علم الكلام ، والمجموعة ( ب ) علم الفلسفة ، والمجموعة ( ج ) علم التفسير ، والمجموعة ( د ) علم المنطق وهكذا . . . .
وعند نزول القرآن الكريم لم يكن لدينا هذه العلوم المتعدّدة المرتبطة به ، ومع مرور الزمن بدأت العلوم في التوسعة وصار لدينا علم التجويد ، والقراءات ، والتفسير ، والمناهج . . . .
وهكذا الحال في علم الحديث الذي صار فيه أبواب معرفيّة معتدّدة ، منها ما هو مرتبط بالسند ، أو بالدلالة . . . والحال نفسه في جميع العلوم .
الأمر الخامس : وهو يدور حول هذا السؤال : في عمليّة الاستنباط إلى أيّ نوع من أنواع المعرفة يحتاج الفقيه لاستنباط الحكم الشرعي ؟
الجواب : إنّه ما من بابٍ من هذه الأبواب المعرفيّة ، وما من علمٍ من هذه العلوم إلّا وهو محتاجٌ إليه .
فهو يحتاج إلى علم المنطق لمعرفة شروط الإنتاج في الأقيسة ، وإلى علم الحديث ، والرجال ، واللغة ، والكلام ، والفلسفة ، وإلى كلّ المسائل والعلوم التي تدخل في عمليّة الاستنباط .
وواقعنا الاجتهادي يشهد بأنّ المحقّقين من العلماء وجدوا بأنّ هذه
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 316
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣١٦