فإن قلنا : بأنّها ليست من مسائل علم الأصول ، فهذا لازمه أن نرفع اليد عن أكثر المسائل الأصوليّة ، أو عن كلّ قواعد الجمع العرفي . وإن قلنا بأنّها أصوليّة ، فيلزم في ذلك أن تكون هناك مسألةٌ أصوليّةٌ واحدةٌ كافيةٌ لاستنتاج الحكم الشرعي ، وهذا مخالف لما تقدّم في تعريف ضابط المسألة الأصوليّة .
وعليه : إذا كان عندنا عموم مستفاد من الأداة ، وعندنا إطلاق مستفاد من قرينة الحكمة ، وحصل التعارض ، فإنّ العموم يبحث في باب العموم ، والإطلاق يبحث في باب الإطلاق ، وكلّ واحدة منهما مسألة أصوليّة مستقلّة ، فهل الجمع بينهما هو مسألة أصوليّة أم لا ؟
فإن قلت : بأنّها ليست مسألة أصوليّة ، فلازم ذلك أنّك أخرجت مسألة من علم الأصول ، مع أنّه متّفقٌ عليها أو مختلفٌ فيها ؟
فإن قلت : متّفقٌ عليها وهي من قبيل حجّية الظواهر ، قلنا : إنّ قواعد الجمع العرفي غير متّفق عليها ، والأخباريّون يعتقدون بأنّ كلّ تعارض بين الروايات لابدّ فيه من الرجوع إلى الأخبار العلاجيّة .
وقد صرّح صاحب الحدائق بشكلٍ واضح بذلك ، وأشار إليه أيضاً صاحب الكفاية الذي ذهب إلى أنّ الأخبار العلاجيّة لا تختصّ بموارد التباين ، بل هي شاملة لتلك الموارد التي يوجد بينها جمعٌ عرفيّ ؛ قال في كفاية الأصول : « قد عرفت سابقاً أنّه لا تعارض في موارد الجمع والتوفيق العرفي ولا يعمّها ما يقتضيه الأصل في المتعارضَين من سقوط أحدهما رأساً وسقوط كلٍّ منهما في خصوص مضمونه ، كما إذا لم يكونا في البين ، فهل التخيير أو الترجيح يختصّ أيضاً بغير مواردها أم يعمّها ؟ قولان أوّلهما المشهور . وقصارى ما يقال في وجهه . . . ودعوى أنّ المتيقّن منها غيرها - أي : غير موارد الجمع العرفي - مجازفة . . . » « 1 » .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 449 .