فعمدوا إلى إيجاد ضابطٍ لهذا الموجود من المسائل التي بين أيديهم ، وكأنّه من المسلّم عندهم أنّ هذه المسائل كلّها أصوليّة ، وأصبح حالهم حال مَن أقام الدليل بعد الوقوع ، فذهبوا إلى بيان الضابط والمائز الذي يكون مقياساً وجامعاً لهذه المسائل ومانعاً من دخول مسائل ليست من علم الأصول ، من قبيل مسائل علم الرجال واللغة والمنطق . . . باعتبار أنّها مسائل ليست من علم الأصول ، وهذا شبيه بما أقامه أهل السنّة والجماعة من أدلّةٍ لبيان ضوابط صحّة الخلافة ، فهم لم يذهبوا إلى الأدلّة القرآنيّة والروائيّة ليعرفوا أنّه متى تكون الخلافة صحيحة ؟ ومتى تكون غير صحيحة ؟ بل وجدوا أنّه بعد النبي تصدّى الخليفة الأوّل والثاني للخلافة ، وفرغوا من صحّة هذه الخلافة ، فبدؤوا ينحتون الأدلّة لتصحيح هذه الخلافة ، فقالوا تنعقد بواحد ، لأنّ الثاني قال للأوّل مُدّ يَدك لأبايعك ، أو تنعقد بالوصية لأنّ الأوّل أوصى بها للثاني ، أو تنعقد بأربعة لأنّ الثاني عقدها في الشورى بهذا النحو .
والشاهد على ما نقول : أنّ الشهيد الصدر عندما وجد أنّ مباحث الأمر والنهي والتعارض تخرج عن ضابط الميرزا النائيني قال : « المسلّم أصوليّتها » . فمن أين جاء التسليم ؟ ربّما لأنّه مفروغ في ذهنه أنّ هذه من المسائل الأصوليّة .
ولذا نقول بأنّ كلّ الضوابط التي ذُكرت لم تُوفّق في جمع كلّ المسائل الأصوليّة ، وفي كلّ واحدة منها جهة نقص ، وحتى السيّد الشهيد عندما ذكر الضابط للمسألة الأصوليّة ، وقال : بأنّها العنصر المشترك في عمليّة الاستدلال الفقهي خاصّةً ، فما هو مراده من العنصر المشترك ؟ هل المادّة أم الهيئة ؟ أم هو مادّة صرفة ؟ أم هيئة صرفة ؟ أم هو مادّة ولكن لا بشرط من حيث المادة الفقهيّة ؟
وهو بذاته أشار في تقريراته إلى أنّ مباحث الصحيح والأعمّ والمشتقّ ليس من المسائل الأصوليّة ، ولذا قال في مباحث الأصول : « وبهذا القيد تخرج
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 285
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٨٥