وبذلك يظهر : أنّ البحث عن ظهور الأمر والنهي في الوجوب والحرمة ، لا يرجع إلى علم الأصول ، بل هو من المبادئ ، كالبحث عن أنّ « الصعيد » ظاهر في مطلق وجه الأرض ، وإنّما ذُكر في علم الأصول استطراداً ، حيث لم يُبحث عنه في علمٍ آخر .
وبالجملة : المائز بين علم الأصول وسائر العلوم ، هو أنّ مسائل سائر العلوم إنّما تكون من المبادئ والمعدّات لاستنتاج الأحكام الشرعيّة ، ولا تقع إلّا في صغرى قياس الاستنباط ، وأمّا المسألة الأصوليّة فهي تكوّن الجزء الأخير لعلّة الاستنباط وتصلح لأن تقع كبرى القياس » « 1 » .
فالنائيني إنّما تعرّض في أبحاثه الأصوليّة لمباحث الأوامر والنواهي مع كونها خارجة عن علم الأصول ؛ لأنّه عندما أراد البحث عن الكبرى في عمليّة الاستدلال ، وجد أنّها متوقّفة على الصغرى ، وهذه الصغريات تبنّتها علوم أخرى كاللغة والرجال ، ومنها ما لم يجده في أيّ علمٍ فاضطرّ إلى بحثها استطراداً ، وكلام السيّد الشهيد عن كون النائيني أخرج بعض المسائل المسلّم أصوليّتها ، مصادرة على المطلوب . نعم ، هو بقوله المتقدّم في الفوائد أشار إلى خروج بعض المسائل ، مثل القواعد الفقهيّة عندما قال « الكبريات » لأنّها أحكام كلّية ولا يستنبط منها حكمٌ كلّي ، وإنّما هي أحكام كلّية يُستنبط منها أحكام جزئيّة ، من قبيل ما ذُكر في علم المنطق بأنّه السير من العامّ إلى الخاصّ .
ويمكن لقائلٍ أن يقول : إنّ هذا لازمه زيادة البحوث الاستطراديّة في علم الأصول ؟
والجواب : مثل هذا ليس عزيزاً في علم الأصول ، إذ إنّ نصف بحوث علم الأصول استطراديّة ، فمع كون البحث في حجّية القطع من أوسع
هامش
( 1 ) فوائد الأصول ، مصدر سابق : ج 4 ، ص 308 .