وفّقت في إخراج جملة من المسائل غير الأصولية ، التي قد يحتاج إليها الفقيه ، كوثاقة الراوي - مثلًا - لكونها لا تقع كبرى قياس الاستنباط ، إلّا أنّها تخلّ بالتعريف من حيث استلزامها خروج جملة من البحوث الأصوليّة أيضاً ، من قبيل المسائل الأصوليّة المرتبطة بتشخيص المداليل اللغويّة أو العرفيّة لبعض الموادّ فإنّها أيضاً لا تقع إلّا صغرى لكبرى حجّية الظهور في قياس الاستنباط الفقهي ، وكذلك جملة من المسائل الأصوليّة العقليّة ، كمسألة اجتماع الأمر والنهي ، ومسألة اقتضاء الأمر للنهي عن الضدّ ، فإنّ الثمرة الفقهيّة المطلوبة منهما تتوقّف على تطبيق كبرى حجّية الظهور ، أو قواعد التعارض بين الأدلّة التي تنقّح في هاتين المسألتين صغرياتها لا أكثر » « 1 » .
إذن - بتعبير الشهيد الصدر - مسألة اجتماع الأمر والنهي ، ومسألة اقتضاء الأمر للنهي عن ضدّه ، من أمّهات المسائل الأصوليّة ، ولكنّها بحسب ضابط النائيني تخرج عن كونها من مسائل علم الأصول . والسبب : أنّ هذه المسائل تحقّق الصغرى لكبرى أخرى ، لأنّ قولك بأنّ اجتماع الأمر والنهي محال ، فإنّ ذلك يعني تعارض دليل الأمر مع دليل النهي ، فهنا أيّهما نقدّم ؟ هل الأمر أم النهي ؟
وهذا يدخل في باب التعارض ؛ لأنّه هو الذي يحقّق لنا تقديم الأمر على النهي أو العكس . وبذلك يكون بحث اجتماع الأمر والنهي قد حقّق لنا الصغرى لباب التعارض . فتكون حينئذٍ مسألة التعارض أصوليّة وليس مسألة اجتماع الأمر والنهي ؛ لأنّ النائيني قال : بأنّ المسألة هي ما تقع كبرى في قياس الاستنباط . وبهذا فإنّ عشرات الأبحاث الأصوليّة - بناءً على هذا الضابط - سوف تخرج من علم الأصول .
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 27 .