فإنّه يقول : كلّ ثقةٍ حجّة ، وهذه هي وظيفته . ولذا قيّد النائيني الضابط بقوله : « ما يقع كبرى في عمليّة الاستدلال » . وهو الحكم الكلّي الشرعي في قبال الفرعي وليس الأصليّ .
السبب في هذا القيد هو : أنّ المراد من الكلّي هو « الجعل » في قبال « المجعول » ، إذ إنّ للنائيني مصطلحَ « الجعل والمجعول » .
ومراده من « الجعل » نبيّنه بهذا المثال : يقول الله تعالى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ( آل عمران : 97 ) . فبمجرّد نزول هذه الآية يثبت الحكم الكلّي ، وعندما نعدّد الواجبات الشرعيّة يكون منها الحجّ ، ولكن لعلّه في زمان نزول هذه الآية لم يكن هناك مستطيع للحجّ موجوداً ، وبهذا لا يتحقّق الوجوب في عهدة أحد من المكلّفين . وفي مثال صلاة الظهر فإنّ الشارع لم يوجبها قبل حلول وقتها . ولكن لو نزلت الآية قبل حلول وقت الظهر بساعةٍ وأوجبت صلاة الظهر ، ففي هذا الوقت ( وقت نزول الوجوب ) لا تجب على أحد لأنّه لم يأت وقت الظهر ، وهي مشروطة بالزوال .
وبناءً على ذلك فإنّ النائيني يريد القول : بأنّنا نريد استنباط ذاك الجعل الكلّي ، أمّا وجوبه على زيدٍ وبكرٍ وخالد فهذا ممّا لا علاقة لنا به ، وفي عمليّة الاستنباط نريد أن نستنبط أنّ صلاة الظهر واجبة ، والحجّ واجب ، والصوم واجب ، وأمّا من ناحية وجود وجوبٍ على هذا الفرد أو ذاك فهذا لا علاقة لنا به . ومن هنا فإنّهم في عمليّة الاستنباط يقيّدونه باستنباط الحكم الكلّي ، في قبال الحكم الجزئي المرتبط بزيدٍ وعمرو ، وهذا الحكم الجزئي يعبّر عنه الميرزا النائيني بالمجعول ، ولذا قد يكون الجعل فعليّاً ، والمجعول غير فعليّ ، بمعنى : أنّه لم تتحقّق شرائطه حتّى يكون واجباً على زيدٍ وبكرٍ وعمرو .
ولذا قال كما نقلنا عنه في عبارته السابقة في أجود التقريرات : « وهو الحكم الكلّي الشرعي الثابت لموضوعه المقدّر وجوده » .
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 279
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٧٩