من جزئه في جميع الموارد .
العلامة الثالثة : القضيّة الاستقرائيّة مهما كان الاستقراء الذي يدعمها شاملًا ، لا يمكن أن تكون قضيّة مطلقة صادقة على أيّ عالم من العوالم المفترضة ، وإنّما يختصّ صدقها بالعالم الخارجيّ المُعاش الذي وقع الاستقراء فيه ، بينما تتمتّع القضيّة الأوّليّة القبليّة بصدقٍ مطلقٍ لا يختصّ بهذا العالم بل يمتدّ إلى أيّ عالم يمكن افتراضه .
فالقضيّة القائلة « كلّ نارٍ حارّة » قضيّة استقرائيّة ؛ لأنّها رغم وضوح صدقها على حقائق هذا العالم الخارجيّ المُعاش ليس من الضروري أن تكون صادقة على أيّ عالمٍ آخر مفترض ( مثل عالم يوم القيامة ) ، بل بالإمكان أن نفترض عالماً توجد فيه نيران غير حارّة ولا يوجد في نفوسنا رفض لهذا الافتراض .
وأمّا القضيّة القائلة « إنّ النقيضين لا يجتمعان » أي : أنّ النفي والإثبات لا يصدقان معاً ، فهي قضيّة تصدق على أيّ عالم نفترضه ، وليس بإمكاننا أن نحتمل وجود عالم يتعايش فيه النفي والإثبات ، وهذا يعني أنّها قضيّة منفصلة عن الاستقراء ، لأنّ الاستقراء لا يمكن أن يعطي هذا التعميم في الصدق وإنّما يبرهن على الصدق في إطار العالم الذي يمارس الاستقراء فيه .
فهذه ثلاث علامات فارقة يمكن على أساسها أن نميّز بين القضايا الأوّليّة القبليّة والقضايا الاستقرائيّة ، وأن نبرهن على أنّ عدداً من القضايا يعتبر أوليّاً قبليّاً إذا تأكّدنا من توفّر خصائص القضايا القبليّة فيه ، وهي باختصار .
1 . عدم ازدياد الوضوح تبعاً لازدياد الأمثلة والشواهد .
2 . عدم استعداد الإنسان لتقبّل احتمال أيّ استثناء للقضيّة مهما افترضنا وجود شواهد للاستثناء .
3 . الصدق المطلق للقضيّة المعتمد إلى غير العالم الخارجي من العوالم الأخرى المفترضة .
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 216
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢١٦