تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
تأثير لازدياد الشواهد التطبيقيّة لهذه المعادلة في منح القضيّة وضوحاً أكبر من نفسه ؛ لأنّها قضيّة قبليّة ، خلافاً للقضيّة القائلة إنّ المعادن تتمدّد بالحرارة ، فإنّه كلّما حصل الإنسان على أمثلة وشواهد جديدة مؤيّدة ، ازدادت القضيّة وضوحاً ، وهذا يعني ارتباطها العضوي بالأمثلة والشواهد وبالتالي كونها قضيّة استقرائيّة . وفي مثالٍ آخر نفرض أنّ التواتر يحصل بعشرة ، فإنّ المنطق الأرسطي يرى بأنّ التواتر قضيّة يقينيّة ، وإذا نقل لك عشرة أشخاص الخبر يحصل لك الاطمئنان ، وإذا نقله خمسون يحصل اطمئنان أكثر ، وهكذا كلّما ارتفع العدد ارتفع الاطمئنان . وهكذا لو نُقلت الرواية من كتاب الكافي فإنّ درجة اليقين تكون فيها عالية بخلاف ما لو نقلناها عن ابن تيمية ، أو أيّ كتاب لا نثق به ، مع أنّ خبر الواحد تواتر في كلا المصدرين ، والقضيّة اليقينيّة ينبغي أن تكون متواطئة ، ولكنّها هنا صارت مشكلة ، وهذا يكشف عن أنّ هذه القضيّة استقرائيّة . العلامة الثانية : شعور الإنسان بإمكان التنازل عن الاعتقاد المطلق بقضيّة ما إذا توفّرت بعض القرائن ضدّها . فإذا تحدّث عددٌ كبير من الثقات عن شخصٍ معيّنٍ رأوا بأنفسهم أنّ رقبته فُصلت عن جسده فلم يمت بل ظلّ يتكلّم كما كان يتكلّم قبل ذلك ، فمن المحتمل أن توجِد شهادات هؤلاء الثقات احتمالًا - ولو ضئيلًا - لصدق هذه الحادثة بصورة استثنائية ، ولكنّنا مهما نفترض من شهادات ثقات بأنّهم رأوا بأعينهم شيئاً موجوداً ومعدوماً في الوقت نفسه لا نجد في أنفسنا أيّ استعداد لتقبّل احتمال ذلك . أمّا القضايا الأوّليّة - مثل أن تقول اجتماع النقيضين محال - فلا يمكن أن يكون لها استثناء في أيّ مورد على الإطلاق ، لأنّ القضايا العقليّة لا تخصّص ، ولا يمكن القول بأنّ الكلّ أعظم من جزئه إلّا في هذا المورد ، لأنّ الكلّ أعظم
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 215 | السيد كمال الحيدري