تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩

القضايا الأوليّة والفطريّة في ضوء المنطق الذاتي

بعد أن اتّضحت الفوارق الأساسيّة بين القضيّة القبليّة والقضيّة الاستقرائيّة نأتي لدراسة القسمين المتقدّمين في اليقينيّات الأرسطيّة : القسم الأوّل : القضايا التي يدركها العقل بصورةٍ مستقلّة عن الحسّ والتجربة وهي الأوّليّات والفطريّات ، والسؤال الأساسي بهذا الصدد هو : إلى أيّ مدى يمكننا أن نطبّق التفسير الاستقرائي للمعرفة على هذه القضايا الأوّليّة ، ونفترض أنّها قضايا استقرائيّة يتحكّم فيها الاستدلال الاستقرائي بكلتا مرحلتيه كما يتحكّم في أيّ قضيّة استقرائيّة أخرى ؟ وللجواب على ذلك ، يجب أن نعرف أنّ القضيّة الأوليّة القبليّة في رأي المنطق الأرسطي هي القضيّة التي يكون محمولها ثابتاً لموضوعها ثبوتاً ضروريّاً أوّليّاً . وهذا يعني أنّنا نواجه في كلّ الأوليّات والفطريّات موضوعاً معيّناً يستلزم بدون أيّ سببٍ خارج عن ذاته محمولًا معيّناً . فإذا قلنا إنّ القضيّة القائلة « الكلّ أعظم من الجزء » من الأوّليّات أو أنّ القضيّة القائلة « كلّ الزوايا القائمة متساوية » من الأوليّات ، نعني : أنّ الكلّ بطبيعته يستلزم أن يكون أعظم من الجزء ، وأنّ اشتراك الزوايا في صفة أنّها قائمة يستلزم بطبيعته أنّها متساوية . فهناك إذن موضوع يستلزم بطبيعته صفةً معيّنة ، ولا ينفكّ عنها في أيّ حال من الأحوال ، وعلاقة اللزوم الذاتيّ هذه بين الموضوع والمحمول يمكن من ناحيةٍ مبدئيّةٍ الاستدلال عليها استقرائيّاً ، بأن نضع منذ البدء فرضيّتين : 1 . أن يكون ثبوت الصفة للموضوع ناتجاً عن استلزامه الذاتي لها . 2 . أن يكون ثبوتها له ناتجاً عن سببٍ خارجيّ اقترن وجوده مع الموضوع ، فوجدت الصفة فيه نتيجة ذلك . وموقفنا من هاتين الفرضيّتين يشبه تماماً موقفنا حينما نلاحظ وجود « ب »