فهذه العلامات الفارقة والضوابط الثلاثة التي أشرنا إليها بشكل واضح عندما نطبّقها على القضايا اليقينيّة الستّ سوف تخرج منها القضايا التجريبية والحدسيّة والمتواترة والمحسوسة . ومع أنّ المنطق الأرسطي يسعى لإثبات صحّة التجريبيّات والحدسيّات والمتواترات والمحسوسات ، ويقول بأنّها قضايا أوّليّة يقينيّة ، لكنّنا أثبتنا - بحسب منطق الاستقراء - أنّها ليست كذلك .
فما هو الدليل على أنّ المحسوسات تفيد اليقين ؟
هناك طريقان :
فإمّا أن ننتهي إلى نتيجةٍ تقول بأنّه لا دليل عندنا على أنّ الواقع الخارجي معلوم ، فلعلّه موجود ولعلّه غير موجود ، وإمّا أن نقيم دليلًا آخر على إثبات صحّة هذه القضايا وهي ( المحسوسات والتجريبيّات وخصوصاً المتواترات ) .
ونحن ينبغي أن نلتفت إلى أنّ ثمانين في المائة من عقيدتنا قائمٌ على التواتر ، ولكنّنا أمام ما تقدّم سوف نرى أنّ السند العلمي والمنطقي لحجيّة الخبر المتواتر سوف يسقط ، لأنّنا إذا طبّقنا عليه هذه الضوابط الثلاثة أو بعضها لن تعود القضيّة المتواترة من الأوّليّات ، وكيف لنا الدخول في علم الأصول أو الفقه أو العقيدة أو التفسير أو . . . ، ونحن لم ننتهِ من هذه المسألة من الناحية المنهجيّة ، لأنّ ذلك يكون من قبيل شخصٍ يريد الدخول في علم الفقه وهو لا يعلم هل خبر الواحد ثقة ، فلا يمكنه حينها استنباط الحكم الفقهي ، لأنّ تسعين بالمائة من الأحكام الشرعيّة قائمة على حجّية خبر الثقة . وهكذا فإنّ ثمانين بالمائة من العقائد الأساسيّة تثبت بواسطة الخبر المتواتر ، فالإمامة نثبتها من خلال حديث الثقلين باعتبار أنّه متواتر ، وهكذا حديث الغدير و . . . .
لكنّ المنهج الحديث الذي أدخلوه إلى العلوم : أنّهم حوّلوا النقاش من مضمون حديث الغدير - مثلًا - أو الثقلين . . . إلى طلب البحث في الأساس المنطقي للحديث فقالوا : من أين نُثبت حديث الغدير والثقلين ، وهذا من
مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 217
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢١٧