تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقدمات منهجية في علم أصول الفقه — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
تمثيل اللامتناهي . فلا يتمثّل عنده كيف أنّ الله تعالى كان وليس معه شيء حتّى الزمان ، وأنّه سرمديّ لا أوّل لوجوده ولا آخر ، وإن كان العقل حينما يساق إليه البرهان يستطيع أن يؤمن بذلك ويصدّق به تصديقاً لا يتمثّل في النفس ، لأنّ الوهم له السيطرة والاستيلاء عليها من هذه الجهة ، فإن كان الوهم مسيطراً على النفس على وجهٍ لا يدع لها مجالًا للتصديق بوجود مجرّد عن الزمان والمكان ، فإنّ العقل عندما يمنعها من تجسيمه وتمثيله كالمحسوس تهرب النفس من حكم العقل وتلتجئ إلى أن تُنكر وجوده رأساً ، كما هو شأن الملحدين . من أجل هذا كان الناس لغلبة الوهم على نفوسهم بين مجسّم وملحد ، وقلّ من يتنوّر بنور العقل ويجرّد نفسه عن غلبة أوهامها فيسمو بها إلى إدراك ما لا يناله الوهم ، ولذا قال الله تعالى : وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( يوسف : 103 ) ، فنفى الإيمان عن أكثر الناس ، ثمّ هؤلاء المؤمنون القليلون قال عنهم : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( يوسف : 106 ) ، يعني أنّهم في حين إيمانهم مشركون ، وما ذلك إلّا لأنّهم لغلبة الوهم إنّما يعبدون الأصنام التي ينحتونها بأوهامهم . والسرّ في ذلك أنّ الوهم تابع منقاد للحسّ ومكبّل به ، فما لا يقبله الحسّ لا يقبله الوهم إلّا لابساً ثوب المحسوس . من هنا ترى أنّ الأكثر يستوحش من الظلام ويخاف منه مع أنّ العقل لا يجد فرقاً في المكان بين أن يكون مظلماً أو منيراً ، فإنّ المكان هو المكان في الحالين وليس للظلمة تأثير فيه يوجب الضرر أو الهلاك ، ويخاف أيضاً من الميّت وهو جماد لا يتحرّك ولا يضرّ ولا ينفع . ومع توجّه النفس فقد تضطرب من الظلمة ومن الميّت ، لأنّ البديهة الوهميّة أقوى تأثيراً على النفس من البرهان ، ولذا تُعدّ الوهميّات من المعتقدات .