المظنونات لا من اليقينيّات . وصحيح أنّ آيات القرآن الكريم ليس هناك من مشكلة في سندها لأنّها متواترة ، ولكن ليس كلّ آيات الكتاب الكريم مضمونها نصّ قطعيّ ، بل هي من الظواهر في الأعمّ الأغلب ، والظهور في علم الأصول لا يفيد القطع واليقين ، ولو أفاد ذلك ، فهو لا يفيد الجزم بثبوت المحمول للموضوع ، ولا يفيد استحالة انفكاك المحمول عن الموضوع .
ففي كلّ قضيّة عقائديّة ، نحتاج إلى اليقين بالمعنى الأخصّ ، ولا طريق لنا إلى ذلك إلّا القضايا اليقينيّة المستدلّة إمّا بداهةً ، أو أنّها تنتهي إلى البداهة .
ولا يعني ذلك الاستغناء عن الاستدلال بالكتاب ولا بالرواية ، بل نستند إليهما فيما إذا كانا يتضمّنان استدلالًا عقليّاً . وذلك من قبيل استدلال الإمام علي ( عليه السلام ) في نهج البلاغة على أنّه سبحانه وتعالى غير معدود ، فإنّه يستدلّ على ذلك بقوله : «
من حدّه فقد عدّه ، ومن عدّه فقد أبطل أزله . . . » .
فالإمام علي ( عليه السلام ) بيّن القاعدة في الاستدلال ، ولم يترك الأمر لعوامّ الناس حتّى لا يضلّوا بذلك .
والإمامة التي هي من ضروريّات المذهب في معتقدات مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) هي من هذا القبيل . ولابدّ من إقامة الدليل العقلي عليها في بعض مساحاتها ، ولا يكفي فيها الآيات والروايات التي تكون مضامينها ظنيّة .
7 . المنهج المتّبع في مسائل علم الأصول ونوعيّة موضوعه
أشرنا فيما تقدّم إلى الأقسام الثلاثة الموجودة في نسبة المحمولات إلى الموضوعات ، وقلنا بأنّ القسم الأوّل منها لا طريق في الاستدلال عليه إلّا البرهان العقلي .
وهنا لابدّ من تحديد مسائل علم الأصول ، وتحت أيّ قسمٍ من الأقسام الثلاثة تندرج ، وذلك من أجل تحديد ومعرفة المنهج المتّبع في تحقيق هذه المسائل .
والجواب أنّ مسائل علم الأصول على ثلاثة أنحاء :
النحو الأوّل : المسائل العقليّة التي وردت بشكلٍ ما إلى علم الأصول ، مثل مسألة الحسن والقبح العقليّين ، فهذه من المسائل العقليّة التي تحتاج إلى دليلٍ من العقل ، ولا يمكن الاستدلال عليها من الآيات والروايات أو السيرة وما إلى ذلك . ومسألة حجّية القطع وغيرها من المسائل .