السابع : المبادئ والقواعد في عمليّة الاستدلال
وهو من أهمّ الأمور في هذه الأبحاث ، ويرتبط بالمنهج ، وبالسؤال التالي :
ما هي تلك القضايا والمبادئ التي نستند إليها في الاستدلال على مثل هذه العلوم التي يكون الموضوع والمحمول فيها أعراضاً ذاتيّة في الموضوع ؟ فأيّ سنخ من القضايا هي التي نستند إليها ؟
وعندما نريد البحث في المسألة لابدّ من تعيينها في كونها تعدُّ من القسم الأوّل من المسائل التي يكون فيها المحمول عرضاً ذاتيّاً للموضوع ، والموضوع سبباً لهذا المحمول ، أم أنّها من غير هذا القسم . فعند الاستدلال بأيّ نحوٍ من الأدلّة والقواعد والمبادئ نستدلّ ؟
وتوضيح السؤال بالمثال التالي : ذكرنا سابقاً بأنّ القسم الأوّل من المسائل ينتج اليقين ، ولهذا في أيّ قضيّة نريد أن نستند إليها لابدّ أن يكون الدليل يقينيّاً ، ويجب تشكيل قياس من الشكل الأوّل ، مؤلّف من صغرى وكبرى ، مثل : « العالم حادث وكلّ حادث يحتاج إلى محدث » . فهل يكفي في العلاقة بين قضيّة « العالم حادث » أن تكون نقليّة ؟ وما هو الدليل على أنّ العالم حادث ؟
فإن قلت هذا ما دلّت عليه الروايات نقول : بأنّ هذا لا يكفي ، لأنّك تريد الوصول إلى نتيجة يقينيّة ، والدليل النقلي يفيد الاطمئنان لا اليقين ، أو يفيد الظنّ . فلا يمكن الاستناد إلى قضيّة نقليّة أو تاريخيّة أو عقلائيّة أو . . . للوصول إلى نتيجة يقينيّة . وأنواع القضايا التي لابدّ من الاستناد إليها هي ما ذكره السيّد الشهيد في الأسس المنطقيّة ، أو ما ذكره علماء المنطق هي : الأوّليّات والمحسوسات والتجربيّات والمتواترات والحدسيّات والفطريّات « 1 » .
هامش
( 1 ) يقول السيّد محمّد باقر الصدر تحت عنوان الاستدلال البرهاني ( اليقين ) ما ملخّصه : إنّ المنطق الأرسطي يرى أنّ قضايا المعرفة البشريّة الجديرة بالثقة والواجبة القبول ، هي القضايا التي تتّسم بطابع اليقين ، ويريد باليقين : تصديق العقل بقضيّة تصديقاً جازماً لا يمكن زواله أو زعزعته ، فكلّ قضيّة يتاح لها هذا اللون من التصديق تعتبر قضيّة يقينيّة . . . ويصنّف المنطق الأرسطي هذه القضايا اليقينيّة الرئيسيّة إلى ستّة أصناف : 1 . الأوّليّات 2 . المحسوسات 3 . التجربيّات 4 . المتواترات 5 . الحدسيّات 6 . الفطريّات . . . انظر : الأسس المنطقيّة للاستقراء ، ص 375 - 376 .