والرسالة والنبوّة .
من هنا لم يعبّر القرآن الكريم بأنّ الحقّ مع ربّك ، لأنّه تعبير يوحي إلى وجود شيء آخر مع الله تعالى وهو الحقّ ، وهو نحو من الشرك ، لأنّه كان ولم يكن معه شيء ، وإنّما عبّر الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ( آل عمران : 60 ) ؛ لذا قال الطباطبائي : « إنّ هذا من أبدع البيانات القرآنيّة حيث قيّد الحقّ ب - « من » الدالّة على الابتداء ، دون غيره بأن يقال : ( الحقّ مع ربّك ) لما فيه من شائبة الشرك » « 1 » .
وبهذا يتّضح السبب في أنّهم ( عليهم السلام ) في الوقت الذي ينفون علم الغيب عن أنفسهم ، يقولون إنّه وراثة عن رسول الله ( ص ) ، أو رواية عنه ، أو علم علّمنيه حبيبي رسول الله ، ونحو ذلك . ومن الواضح أنّ ذلك تعبير آخر عن العلم بالغيب . وهذا معناه أنّهم ( عليهم السلام ) يرفضون تسميتهم بالعالمين بالغيب لا نفي توصيفهم بذلك .
ولعلّ من أوضح الشواهد على ذلك ، ما ورد في هذا النصّ عن عليّ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عندما أخبر عن بعض المغيبات ، فقال له بعض أصحابه : لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب ! فضحك ( عليه السلام ) وقال للرجل وكان كلبيّاً :
« يا أخا كلب ، ليس هو بعلم غيب ، وإنّما هو تعلّم من ذي علم . . . علّمه الله نبيّه فعلّمنيه ، ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطمّ عليه جوانحي » « 2 »
) .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 3 ص 213 .
( 2 ) نهج البلاغة : ص 186 ، الخطبة : 128 فيما يخبر به عن الملاحم بالبصرة .