إلّا أنّ الذي يلاحظ على هذه الرواية أنّ الإمام ( عليه السلام ) لما قام من مجلسه وصار في منزله قال كلاماً غير الذي قاله أوّلًا ، حيث بيّن أنّه عالم بالكتاب كلّه ، وحيث إنّ الكتاب فيه تبيان كلّ شيء فهو عالم بجميع الأشياء ، ما كان وما يكون ، كما تقدّم سابقاً ، وعليه فكيف يمكن أن يخفى عليه مكان الجارية . وهذا يكشف أنّه عندما كان في المجلس لم يكن يستطيع أن يصرّح بهذه الحقيقة التي بيّنها صريحاً عندما دخل منزله ( عليه السلام ) .
ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى أنّ المجلس كان فيه من لا يحتمل مثل هذه المقامات لأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) . قال المجلسي : « أن يكون الغرض بيان أنّ ما ذكره ( عليه السلام ) أوّلًا كان للتقيّة من المخالفين أو من ضعفاء العقول من الشيعة ، لئلّا ينسبوهم إلى الربوبيّة ، ولعلّه أظهر وأوفق بسائر الأخبار » « 1 » .
والحاصل : أنّ النصوص الروائية فضلًا عن الآيات القرآنيّة التي نفت علم غيره تعالى بالغيب ، إنّما هي بصدد بيان أنّ حقيقة علم الغيب هو علم غير مستفاد كعلم الله تعالى ، وأمّا علم غيره من الأنبياء والأوصياء بالغيب فإنّه لمّا كان علماً مستفاداً منه تعالى لا يكون علماً بالغيب حقيقةً ، وإنّما سُمّي بذلك نظراً إلى تعلّقه بالأمور الغائبة .
وبه يجمع بين الأدلّة التي دلّت على أنّهم عالمون بالغيب والأدلّة التي
هامش
( 1 ) مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول ، تأليف : العلّامة شيخ الإسلام المولى محمّد باقر المجلسي ، شرح كتاب الكافي لثقة الإسلام الكليني ، دار الكتب الإسلاميّة ، الطبعة الثانية ، 1404 ه - : ج 3 ص 114 .