تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
وفي ضوء ما تقدّم سوف يتّضح لنا في أيّ أنواع الوقوفات الثلاثة يحصل الانبعاث الحقيقي ، وفي أيّ أنواعها يحصل الانبعاث الصوريّ . أمّا الوقوف الصوريّ الساذج فإنّه عين الغفلة والغياب التامّ عن الانبعاث الحقيقي ، ولهذا لا يجد المصلّي وهو في هذه المرتبة اندفاعاً حقيقياً أو ما هو قريب من ذلك نحو الصلاة ، فلا يفرق عنده كثيراً إن جاء بها أداءً أو قضاءً ، بل إنّ قضاءها هو الراجح وقوعاً عنده لاسيّما في صلاة الفجر ، وإذا ما دخل في صلاته فإنّه لا يذكر من صلاته سوى أنه كبّر وسلّم . إنّها صلاة رتيبة باهتة لا تترك في العقل تأمّلًا ولا في القلب تحوّلًا ، اعتاد صاحبها الإتيان بها كما اعتاد الأكل والشرب ، ولذا لا ينصدع قلبه إذا فاته فرض ولا يسارع إلى التوب . وأمّا الوقوف الصوريّ التحقيقيّ فإنّه يفتح العقول على التأمّل في كلمات الله تعالى ، ولكنه لا يغلق دائرة الغفلة ، فما يستحضره من معانٍ يوجّه القلب نحو المعبود ولكنّه لا يحقّق له حقيقة الانبعاث إلّا بدرجات محدودة أشبه بضوء البرق في قبال شعاع الشمس ، وقد ينتج عن الاستغراق في المعاني الصورية الذهنية بُعدٌ حقيقيّ عن قبلة المقصود ، فيعيش العابد متاهات الكلمة ويغيب عن نفس المتكلّم جلّت قدرته « 1 » . وأمّا في الوقوف التحقّقي فإنّه لا يحتاج العابد إلى تحقيق الانبعاث الفعلي الحقيقي لأنّه منبعث وحاضر قلبه ، فهو في صلاة دائمة وصلات
هامش
( 1 ) يروى أنّ الشهيد العلّامة مرتضى المطهّري رحمه الله ذهب يوماً إلى أحد أساتذته الأخلاقيين ، فسأله الأستاذ : كيف تصلّي ؟ فأجابه المطهري : بانتباه كامل إلى معاني كلمات الصلاة وجملها . فسأله أستاذه متعجبّاً : فمتى تصلّي إذاً ؟ ! وهنا انتبه المطهّري رحمه الله إلى أنّ الانتباه والالتفات لابدّ أن يكون لله وحده لا لشيء آخر .