وأمّا الوقوف الثالث فإنّه زبدة المخاض وغاية المرتاض حيث يستحكم الحبّ بقلب العارف حضوراً ، وهذا الحبّ الإلهي الحقيقي سينتج عنه الإخلاص التامّ لمحبوبه ، ثمّ التدرّج في مراتب الإخلاص حتى الوصول إلى فيض الاستخلاص فيصير العارف مخلَصاً ( بالفتح ) بعد أن كان مخِلصاً ( بالكسر ) .
سادساً : آثار المعرفة على مستوى العبادة والدعاء
إنّ العبادات وإن اختلفت فيما بينها شكلًا ومضموناً إلّا أنّها جميعاً تشترك بنسبة قصد القربة من الله سبحانه وتعالى ، وهذا الجامع المشترك يمثّل روح العبادات وحقيقتها كما أنّ روح الإنسان تمثّل حقيقته وكينونته .
وللنيّة وجود مفهوميّ صوريّ ووجود فعليّ حقيقيّ يمثّل حقيقة النيّة . في الصلاة مثلًا يستحضر المصلّي نيّة القرب من الله تعالى ، ولكن تارة يستحضر الوجود الصوريّ للنيّة وهو صورة الانبعاث ، وأخرى يستحضر الوجود الحقيقي للنيّة وهو حقيقة الانبعاث .
يقول شيخنا الأستاذ جوادي آملي : « . . . إن صحة الصلاة مرتبطة بالنية ، وهذه النيّة هي انبعاث الروح نفسها من الخلق إلى الحقّ ، والرائج بين الغافلين هو النية بالحمل الأولي ، والغفلة بالحمل الشائع « 1 » ، أي : أنّ الرائج هو تصوّر البعث وليس تحقّق الانبعاث ، ويستحيل بتخيّل البعث نيل المقصد ويمتنع شهود المقصود ، فالصلاة الحقيقية هي التي تتوافر فيها
هذه الحقيقة التي هي سرّ الصلاة نفسها » « 2 » .
هامش
( 1 ) تقدّم في أبحاث سابقة توضيح الفرق بين الحمل الأولي والحمل الشائع الصناعي .
( 2 ) انظر : مقدمة كتاب سرّ الصلاة للسيد الخميني ، تقديم آية الله الجوادي الآملي : ص 16 .