ولا ريب أنّ هذا الأشعث الأغبر الذي إذا حضر لا يُعدّ وإذا غاب لا يفتقد عند السواد الأعظم من الناس لم يُصبح مورداً لاستجابة دعائه والبرّ بقسمه لأنه أشعث أغبر خامل الذكر وإنّما لطهارة قلبه وصحة توجّهه ، وإلّا فالأشعثية الأغبرية ليستا ممدوحتين في نفسيهما ، وإنّما أريد بهما الكناية إلى أنّ مراتب معرفة الله تعالى واستجابة الدعاء منه سبحانه لا تناط بالمال والجاه وإنّما بصفاء القلب وقوّة التوحيد وتحقّق المعرفة به سبحانه وإن كان ذلك الداعي أشعث أغبر .
تتمة
من جملة الآثار المذكورة آنفاً اتّضح لنا أنّ المشتمل على المعرفة التحقّقية لا التحقيقية سوف يمتلك القدرة على التأثير في الآخرين بل في العالم بأسره ولكن بما يناسب مرتبته المعرفية ، فينتفع به الوجود بأسره ، بإنسانه وحيوانه ونباته وجماده .
وهذه القدرة على التأثير لا تخرج عن النظام الكوني والسنن الإلهية ، كما لا تخرج عن الحدود الشرعية أيضاً ، فلا يؤثّر إلّا فيما اذن له ، ولا يؤذن له إلّا فيما هو منسجم مع النظام الكوني الذي لا نعرف من أسراره وخفاياه إلّا القليل .
إنّ هذه القدرة على التأثير قد وردت في أكثر من حديث قدسيّ ، منها « عبدي أطعني أجعلك مَثَلي أقول للشيء كن فيكون ، وتقول للشيء كن
فيكون » « 1 » ، ومنها : « يا ابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون ؛ أطعني فيما
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 102 ص 165 ؛ شجرة طوبى ، للمحدّث الجليل محمد مهدي الحائري ، نشر المكتبة الحيدرية ، الطبعة الخامسة ، 1385 ه ، النجف الأشرف : / / ج 1 ، ص 33 . وقد عرفت في بحث سابق الفرق بين ( مِثلي ) و ( مَثَلي ) وكون المراد هو ( مَثَلي ) . انظر : بحث « الفرق بين الخلق والفطر » من الفصل الرابع .