فعلى مستوى هذه المناجاة وما دونها وما فوقها في علاقة الإنسان بربّه ، لا سبيل لها إلّا سبيل الوقوف الثالث التحقّقي الشهودي ، وأمّا الوقوف التحقيقي فإنّه مقدّمة مهمّة وأساسية في اعتماد نافذة الشهود المعرفية ، وقد عرفت في أكثر من مورد أنّ من لا ظاهر له لا باطن له ، وهذه القاعدة عامّة شاملة لجميع المعارف الدينية الإلهية ، والمعارف الحصولية تتكفّل بإبراز ظاهر الحقائق ، والمعارف الحضورية تتكفّل بتجلّي الحقائق نفسها ، وكلّ تجلّ رهنٌ بالمرتبة المعرفية للعارف ، وباختلاف المراتب المعرفية التي لا حصر لها تختلف التجلّيات .
رابعاً : آثار المعرفة على مستوى المعرفة
إنّ الوقوف الظاهري الساذج لا يكفل لنا كشفاً حقيقياً « 1 » عن الواقع ، تامّاً كان الكشف أو ناقصاً ، ولذا فهو لا يضفي على المعرفة شيئاً يذكر ، بل إنّه عادة ما يقدّم لنا جهالات مُطبقة .
وأمّا الوقوف الظاهري التحقيقي فإنّه يتكفّل بواسطة أدلّته القطعية
الكشف عن الحقائق الواقعية ، وهذا الكشف لا يوقف صاحبه على الحقائق الواقعية بنحو التجلّي وإنّما بنحو الحكاية عنها ، والحكاية عن الحقيقة تعني غياب الحقيقة عن شهود العارف حصولًا ، وأيّاً كانت المرتبة المعرفية الحصولية فإنّها تبقى بمنأى عن شهود الحقيقة نفسها ، فأدلّة البرزخ مثلًا الحصولية مهما كانت محكمة فإنّها لن تُريَ العارف بها شهود البرزخ بل تزوّده بصور ذهنية عن حقيقة البرزخ قد قام الدليل القطعي عليها .
هامش
( 1 ) المراد بالكشف هنا هو جهة الحكاية لا الكشف الشهودي .