ومن إشكاليات هذا النمط المعرفيّ على مستوى الخالق هو أنّ العارف حصولًا لا تضمن له معرفته هذه حصول اللقاء بينه وبين ربّه جلّ وعلا ، لأنه لم يعرف الحقيقة الحقّة الموجودة خارجاً وإنّما عرفها بواسطة الصورة الذهنية والأدلّة القطعية ، فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً « 1 » ، والعمل الصالح هو العمل الطاهر المزكَّى من كلّ شوب ، فلا عُجب ولا رياء ، والتوحيد الحقّ هو أن لا يشرك بربّه أحداً ، وقد عرفت أنّ إغلاق دائرة الشرك في العبادة والأعمال ليس ميسَّراً لكلّ أحد . فمن وقع منه الشرك في العبادة أو العمل « 2 » لا يختم له بذلك اللقاء المقدَّس ، الذي هو غاية آمال العارفين ، ومن أحبّ لقاء الله تعالى عمل لذلك ، فإذا عمل لذلك أحبّ الله لقاءه ، والعمل المطلوب تحدِّده لنا الآية المذكورة آنفاً ، وهو العمل الصالح وعدم الشرك بالله تعالى مطلقاً ، ولا ريب أنّ إطاعة الأوامر واجتناب النواهي من مفردات العمل الصالح .
وأمّا بالنسبة إلى الوقوف الثالث فبه يكون المكلّف قد امتثل التكليف الأعظم الذي لا يطيقه إلّا أصحاب النفوس العالية السامية ، والقلوب التي حطّمت صخرة ( الأنا ) بحقيقة ( أنت ) ، وأبدلت الفناء بالمتناهي بالفناء بغير المتناهي ، وخرجت من دائرة المجاز إلى فيض الحقيقة وإطلاقها .
إنّ مقامات الأبرار والمقرّبين لا تُنال البتة بآلية الحصول ، وإنّما بالتوجّه القلبي وقطع الالتفات عن الأغيار ، وهو المعبَّر عنه في أدعية الطاهرين عليهم السلام بكمال الانقطاع .
هامش
( 1 ) الكهف : 110 .
( 2 ) العبادة من أبرز مصاديق العمل لا أنّها شيء منفصل عنه ، حتى جعل من فصول الأذان النداء إلى الصلاة ب « حيّ على خير العمل » .