والدين من جهة وبين الفلسفة والعرفان من جهة أخرى .
لقد أدرك ملا صدرا بذهنيته الحادّة وعقليته الفذة أنّ العقل وحده لا يستطيع أن يقدّم إجابات كاملة ، كما أن الدين بمستواه الظاهري لا يستطيع أن يقدّم إجابات تفصيلية وواضحة في أكثر الموارد المتعلّقة بالمغيّبات ، حيث يكتفي عادة بإجابات إسكاتية إن جاز التعبير والمشكلة لا تكمن في نفس الدين الذي له ظاهر وباطن بل في الآلية التي يقف من خلالها طالب المعارف الإلهية ، فمن توسل بآلية الحصول لم يجد أمامه سوى أجوبة إسكاتية في قضايا أساسية وجوهرية في المعارف الإلهية ، ونعني بالأجوبة الإسكاتية عجز الآلية الحصولية عن إيقاف العارف حصولًا على حقائق مطلوبهِ ، ولذا تُقدِّم له ما يوافق طريقة تفكيره وآلية معرفته .
إنّ الأسس العقلية البرهانية لا تعطي اتّزاناً معرفياً كاملًا ، فيبقى المحقّق في ذلك في عزلة تامة عمّا أقام البرهان عليه ، وهذا ما يجعله يعيش إشكالية حقيقية ، بخلاف من توسّل بالحضور مطبّقاً ذلك على ما بلغه بالحصول فإنّه
يكسبه اتّزاناً معرفياً كاملًا .
يقول السيد الطباطبائي : « إنّ التأمل الدقيق في الحقائق الدينية والمكاشفات العرفانية وتطبيقها مع الأسس العقلية البرهانية هيّأت أرضية جديدة لصدر المتألّهين لكي يحقّق تقدّماً كبيراً في الأبحاث الفلسفية من خلال الروح المتحركة الوثّابة والمبدعة التي حلّت في الفكر الفلسفي . . » « 1 » .
إنّ التقدّم الكبير الذي أحدثه ملّا صدرا في الأبحاث الفلسفية يكشف لنا عجز الفلسفة العقلية عن تقديم إجابات واضحة فيما يتعلّق بالمسائل
هامش
( 1 ) انظر : مدخل إلى مناهج المعرفة عند الإسلاميين للسيّد كمال الحيدري ، نشر دار فراقد ، الطبعة الأُولى ، 1426 ه : ص 260 .