الغالب يجتهد في ضوء جهله فيفضي به ذلك إلى ما لا يحمد عقباه ، حتى يصل الأمر به في موارد عدّة إلى الشرك والكفر .
ومن هنا نفهم سرّ اقتران الشرك والكفر بالجهل ؛ فعن أمير المؤمنين عليه السلام : « لو أنّ العباد حين جهلوا وقفوا ، لم يكفروا ولم يضلّوا » « 1 » ، فيركب الجاهل جهله ويسير في ركبه فلا يكون إلا مفرطاً أو مفرّطاً ، يجهل قدره فيتعدّى طوره فيحكم بما لا يعلم ويعارض قبل أن يفهم ويجيب قبل أن يسمع !
ومن هنا أيضاً نفهم سرّ أهمية التفكّر والتدبّر والتأمّل حتى عُدّ « تفكّر ساعة خير من عبادة سنة » « 2 » وقد كانت أكثر عبادة أبي ذر الغفاري رحمه الله في التفكّر والاعتبار « 3 » ، لأنّ التفكّر والتدبّر والتأمّل حصون منيعة تمنع
الإنسان من اتّباع جهالاته وتغلق أمامه دوائر الضلال ، وتُريه حسن عمله من قبحه ، وبذلك يعرف ما له وما عليه ، نعم « بالفكر تنجلي غياهب الأمور » « 4 » .
ولذا فالجاهل من لم يتفكّر ولم يتدبّر ولم يعتبر ، ولا ريب أنّ حركة الإنسان في المجتمع بلا تفكّر وتدبّر وتأمّل واعتبار سوف تكون حركة سلبية خاسرة .
هذا فيما يتعلّق بالوقوف الأول ، وأمّا بلحاظ الوقوف الثاني التحقيقي فالأمر يختلف كثيراً ، فإنّ العلوم الحصولية وإن كانت صورية ومحدودة أيضاً إلّا أنها تكفل للإنسان الحدّ الأدنى من الاتّزان المعرفي والحركة العلمية
هامش
( 1 ) غرر الحكم ، مصدر سابق : رقم الحكمة 7582 .
( 2 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 71 ص 327 ح 22 .
( 3 ) عن الإمام الصادق عليه السلام « كان أكثر عبادة أبي ذرّ رحمة الله عليه خصلتين : التفكّر والاعتبار » . انظر : الخصال ، مصدر سابق : ص 42 ح 33 .
( 4 ) غرر الحكم ، مصدر سابق : رقم الحكمة 4322 .