تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
ودائرة تأثير مثل هذا الإنسان لا تتجاوز حيّز العقل ، فينظّم أفكار الآخرين ويرشدهم إلى الصواب ، ولكنه يبقى عاجزاً عن معالجة خواطرهم وتوهّماتهم ؛ لما عرفت من أنّه عاجز عن معالجة ذلك في نفسه ؛ فيكون عن معالجة غيره أعجز . إنّ العارف حصولًا وتحقيقاً يبقى لا ينقطع طلبه عن مشاهدة مصاديق ما أقام الدليل عليه ، فهو يعتقد بوجود موت وبرزخ ونشر وحساب وجنّة ونار . . ، ويصدّق بذلك أيضاً طبقاً للأدلّة القطعية القائمة بين يديه ، ولكنّه يبقى جاهلًا بحقيقة ما اعتقد به لأنّه جاهل بحقيقة الأسماء والصفات الإلهية وإن كان يعتقد بها ، وهذا الجهل الذي لا يستطيع طرده بالمعارف الحصولية قطعاً ، سوف يجعله يعيش في دوّامة خفيّة وإشكالية معرفية ، فيصدِّق مثلًا بوجود الملائكة وبوجود الجنّ ، لأنّ القرآن يقول بذلك والسنّة الشريفة تؤيّده ، ولكنّه لم ير ولم يسمع ولم يكلّم واحداً من هذه الموجودات الواقعية ، فيدور أمره بين الالتزام بذلك وفي قلبه شيء من ( حتى ) « 1 » ، وبين إنكار ذلك ( والعياذ بالله تعالى ) . وهذا هو معنى التصوّر في المعارف الحصولية عندما يكتفى بها في المعارف الإلهية ، وهذا ما دعا رائد الحكمة المتعالية ملا صدرا الشيرازي إلى إحداث تغيير جوهريّ في المنهج الفلسفي الذي يعتمد العقل فقط في تقصّي الحقائق وإثبات النتائج ، فاعتمد في منهجه البحثي على أركان ثلاثة ، وهي : العقل والنقل والكشف ، وحاول من خلال ذلك أن يوحّد بين الفلسفة
هامش
( 1 ) مثل يضرب لمن لم ينقطع عنه الشك ؛ يُذكر أن الأصمعي أو سيبويه قد أتعبته أحكام ( حتى ) النحوية لأنّها تارة تكون ناصبة وأخرى خافضة وأخرى عاطفة ، فقال : أموت وفي قلبي شيء من حتى .