عمّا سبق من الآثار المعرفية أنّها تأخذ بعنق العارف نحو الطاعة والامتثال .
والذي نعتقده في المقام هو عدم الانفكاك بين الأثر والمؤثّر ، فالمعرفة وهي المؤثّر لا تنفكّ البتّة من أثرها ، بل ما نعتقده هو أبعد من ذلك ، وهو أن أثر المعرفة نفسه يمثّل مرتبة معرفية ، لأنّه أثر وجوديّ فاعل في الذات العارفة .
إنّ المعرفة الحضورية والشهود الباطني يعني تحوّل الإنسان العارف إلى
وجود قويّ خيريّ محرّك لطاقاته باتجاهات الكمالات المطلقة ، بل نحو المطلق نفسه جلّت قدرته ، وبهذا التحوّل يكون الإنسان قد ولج أبواب العصمة ليتحوّل بذلك بعد مراتب معرفية ارتقائية من دائرة المخِلصين ( بكسر اللام ) إلى دائرة المخلَصين ( بالفتح ) .
وإذا عرف الإنسان ربّه تحقّقاً فسوف تغلق دونه جميع دوائر الشرك ، وتغلق أيضاً دونه جميع دوائر الفقد ، وفي ذلك ترجمة خفيّة لقول الله تعالى : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ « 1 » . فالإنسان مفطور على حبّ الخلود والبقاء ، فهو يشتهي ذلك بقوّة .
ولازم الخلود إغلاق دائرة الفقد وإتمام دائرة الوجدان . إنّ المعرفة الحقّة بالله تعالى تورثه حقيقة كونية خالدة ، وهي حقيقة الاكتفاء بالله تعالى ، فلا يطلب به بدلًا ولا يرغب عنه حولًا ، ولا يُبقي في عرضه ولا في طوله شاغلًا . وهذا المعنى العميق الدقيق قد ترجمه لنا عملياً رائد التفاني في الله تعالى الإمام الحسين بن علي عليهما السلام بقوله الشريف وهو يناجي ربّه في عرصات عرفة : « ماذا وجد من فقدك ؟ وما الذي فقد من وجدك ؟ لقد
هامش
( 1 ) فصِّلت : 31 .