تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
وأمّا الوقوف الثاني التحقيقي البرهاني فإنّ الآثار المترتّبة عليه كثيرة ومنتجة في الجملة لا بالجملة « 1 » ، وهذا النتاج الجزئي ينسجم مع طبيعة هذا الوقوف والنمط المعرفي الذي قلنا في أكثر من مورد أنّه لا يشكّل ضمانة لصاحبه ، وإن كان يشكّل الحدّ الأدنى من المعرفة الواجبة على كل إنسان ، فإنّ هذا الوقوف الصوريّ وإن كان تحقيقياً إلا أنّ أثره الوضعي على الإنسان يبقى محدوداً وغير موجب للعمل ، أي : إنّه لا يبعث صاحبه على الفعل المناسب والمطابق للصورة المبرهن عليها ، ولذا تجد من أصحاب هذا النمط المعرفي من يرتكبون الذنوب المختلفة . إنّ المعرفة النظرية التحقيقية لا تكون موجبة للإيمان ولا ملزمة له ، ولذا فقد يكون الشخص من الناحية الفطرية يثبت عنده وجود الله تعالى ووحدانيته ولكن لا يؤمن بذلك ، أو يسلك في منحاه العلمي غير ما انتهى إليه نظرياً . لذا فالشرك في الأسماء والصفات والشرك العملي مصدرهما هو أنّ المعرفة النظرية وإن كانت مثبتة للعارف نظراً وجود الذات المقدسة ووحدانيتها وإثبات أسمائه وصفاته الذاتية إلا أنّه لم يصل في درجة إيمانه إلى نفي الأغيار عن ساحة التأثير ، فيقع في الشرك العملي ، وما الرياء وهو الشرك الخفي كما عرفت إلّا نموذج من نماذج الشرك العملي ، لأنّه يرجع إلى الاعتقاد بوجود غيرٍ استحقّ منه الالتفات إليه . فلو كانت المعرفة النظرية موجبة وملزمة للإيمان لما وقع الإنسان في مثل هذه المتاهات المفضية للشرك العملي كالرياء والكذب والنفاق والجحود .
هامش
( 1 ) تقدم بيان ذلك .
معرفة الله — صفحة 256 | السيد كمال الحيدري