فالكاذب إنّما يلجأ لذلك لاعتقاد مسبق منه بأنّ الكذب سوف يكون منقذاً له ، وهذا شرك عمليّ ، والنفاق رغم أنّه منافٍ للإيمان تماماً إلّا أنّه شرك هو الآخر إذا لم يكن في دائرة العقائد والإلهيات ، وإلّا فهو الكفر الصراح . وأمّا وقوعه في السلوك العملي كإظهار شخص النصيحة لك وهو يدسّ لك في
الباطن ، وإظهار الحبّ لك وهو مبغض ناقم عليك ، يدعو لك ظاهراً بالسلامة والحفظ وهو يرجو فعلية زوالك وهلاكك فهذا النمط هو الآخر شرك خفيّ ، لأن صاحبه يعتقد أنّ ما أظهره سوف يكون منجياً له ومقرّباً له من ودّك وحبّك وعطائك ، فيدلّس عليك بشعور منافق كذّاب . وما أكثر هذه الطبقة البغيضة وأسوئها ، ففي كلّ آن ومكان نجد من يظهر المودّة والحبّ لأهل البيت عليهم السلام ، ولكنّهم في سرّهم ونجواهم يضمرون شيئاً آخر ظلماً وجوراً وعدواناً ، ف بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لهُمْ عَذَاباً أَلِيماً « 1 » ، قد أُمروا بمودّة أهل البيت عليهم السلام بنصّ القرآن الكريم : قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى « 2 » ولكنّهم ودّوا مُبغضيهم وغاصبي حقوقهم ، بل قاتليهم أيضاً .
روى الهيثمي عن ابن عباس ( لما نزلت الآية ، قالوا : يا رسول الله ، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟ قال :
عليٌّ وفاطمة وابناهما
) « 3 » فقل لي بربّك كيف تجتمع مودّتهم الواجبة قرآناً وسُنّةً مع الترحّم والترضّي على مناوئيهم وقاتليهم ؟ !
وهكذا حال الجحود الموجب لظلمة القلب ، فقد قام الدليل القطعي
هامش
( 1 ) النساء : 138 .
( 2 ) الشورى : 23 .
( 3 ) مجمع الزوائد ، مصدر سابق : ج 7 ص 103 ، و : ج 9 ص 168 .