كلّ إنسان عاقل أن يتوخَّى الحذر ويعدّ العدّة للتوقّي من ذلك الجرُف الهاري ، ليكون على بيّنة من ربّه وبصيرة من أمره ، أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ
فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ « 1 » ، وقد عرفت فيما سبق « 2 » أنّ رضوان الله تعالى هو معرفته الحقّة سبحانه أو من أبرز مصاديقه .
هذا إذا عرف الإنسان ربّه وعبَده بقدم الحصول ؛ فإنّ الخوف منه سبحانه لا يعدو دائرة تلك المعرفة الضيّقة الحرجة أيضاً .
وأمّا من عرف الله تعالى بقلبه ، وأشرقت أنوار القدس في جنباته فذلك الذي تحصل الخشية الفعلية في قلبه ، لأنّه عارف حقّاً وعالم حقّاً وواقف حقّاً ، وإِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ « 3 » . بل يحصل في قلبه الوجل إِنَّمَا الْمؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ « 4 » ، والرهبة منه تباركت أسماؤه يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ « 5 » ، والهيبة العظمى ، وهي أشدّ أنواع الخوف منه سبحانه ، إنّها هيبة الوقوف الحقيقي في حضرة الذات المقدسة ، وقد أُشير إلى هذه الهيبة القدسيّة بقوله تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ « 6 » .
هامش
( 1 ) التوبة : 109 .
( 2 ) انظر : الفصل الرابع ( طرق معرفة الله ) في أواخر تتمّة الطريق السادس .
( 3 ) فاطر : 28 .
( 4 ) الأنفال : 2 .
( 5 ) الأنبياء : 90 .
( 6 ) آل عمران : 28 .