إنّ سراج العقل خافت في قبال نور الحقيقة الطاغي على الوجود ، فكيف للخافت نوره إبصار النور كلّه ؟ !
وعلى أيّ حال ، فانّ المعرفة التحقيقية لا تمنح بأدقّ معانيها وأحكم براهينها العارف خوفاً من متعلّق معرفته الفعلي إلّا بالحدود المعهودة لها ، ولذا تجد كثيراً ممّن وقفوا على معرفته سبحانه تحقيقاً يقترفون الكبائر فضلًا
عن الصغائر ، وما ذلك إلّا بسبب غيابهم عن المعبود الحقيقي وانحسار الخوف منه سبحانه وانطفائه .
ولا يراد بذلك عدم انفكاك الوقوع في المعصية عن المعارف الحصولية وإنمّا مرادنا هو عدم توافر الضمانة الحقيقية للعارف حصولًا عن الوقوع في المعصية . ولم نعنِ بالكبائر المحتمل اقترافها ما هي من قبيل الزنا والقتل وشرب الخمر أو ما شابه ذلك ، فتلك الكبائر أغلبنا قد عصم نفسه منها إلى درجة لا يخطر في أذهان كثير منّا اقترافها فضلًا عن الوقوع خارجاً ، وإنمّا عنينا بها ما يتعلّق منها بدائرة التوحيد الحقيقي سواء في مجال الصفات أو الأفعال ؛ إذ لا محالة من حصول التوحيد منّا للذات المقدّسة .
فالرياء مثلًا إذا وقع من العبد في دائرة العقائد فتلك الطامّة الكبرى والآفة العظمى ، فهذه المرتبة من الرياء تعدّ أشدّ أنواع الشرك الخفي وأسوأها ، كما لو أظهر الشخص العقائد الحقّة والمعارف الإلهية بغية حصول الشهرة أو طلب المنزلة في قلوب الناس . فذلك الطلب الدنيء على فرض اعتقاده بما أظهر من الحقّ يؤدّي به إلى انطفاء نور الإيمان والحقّ في قلبه ، وإذا ذهب النور والإيمان عن القلب حلّ محلّهما الظلمة والكفر ، وهذه هي المرتبة السيّئة من الرياء ، وأمّا المرتبة الأسوأ والعياذ بالله فتلك التي يظهر فيها المرائي من الحقّ طلباً للمحبوبية والمنزلة في قلوب الناس
معرفة الله — صفحة 249
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٤٩