فإنّ الاجتهاد إنّما يكون في صورة غياب الأحكام الواقعيّة عن الفقيه وعدم وقوفه على ملاكات الأحكام فيضطرّ إلى إعمال فكره ورأيه سواء كان له مدرك شرعي ، كما هو الحال في مدرسة أهل البيت ، أو صار هو المدرك لرأيه في صورة غياب الدليل الشرعي ، كما هو الحال في المدارس الأخرى وهذا غير ما نحن فيه ، حيث نشترط في الإمام أن يكون عالماً بالأحكام الشرعيّة الواقعيّة في صورة وجودها ، وعالماً بملاكات الأحكام في صورة عدم الحكم ؛ ليتسنّى له الحكم على طبق الملاك المعلوم له واقعاً .
ومن الغريب جدّاً بل المستهجن أيضاً أن يرى البعض أنّه ليس هنالك
أحكام واقعيّة مسبقة ، وأنّ الأحكام الواقعيّة يؤسّس لها الفقيه فتكون على طبق ما يحكم به « 1 » في صورة عدم وجود أحكام شرعيّة واقعيّة معلنة في القرآن الكريم والسنّة الشريفة أو أنّ هنالك أحكاماً واقعيةً ولكنّها في صورة غيابها عن الفقيه فإنّه يحكم في مواردها وأنّ الواقع سوف يتبدّل في ضوء ما حكم به الفقيه « 2 » ، فيدور الواقع مدار قول الفقيه ، سواء كان هنالك حكم واقعيّ أو لم يكن .
وموضع استغرابنا واستهجاننا ليس في ذلك رغم الإشكالات التي تعترض هذا المبنى ؛ أبرزها الوقوع في دائرة التصويب الفاحش وإنّما في كون هؤلاء يمنحون هذا الدور التأسيسي للفقهاء ويمنعونه عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، حيث يعتبرونه مجرّد مبلّغ لا غير !
هامش
( 1 ) ينسب هذا القول إلى الأشاعرة . انظر : دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة ، للسيد الشهيد محمد باقر الصدر ، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي : ص 1415 ، موضوع شمول الحكم للعالم والجاهل .
( 2 ) ينسب هذا القول إلى المعتزلة ، انظر : المصدر السابق .