وإثبات ذلك ممكن عقلًا ونقلًا .
أمّا عقلًا ، فإنّ مناط جعل الأحكام هو العلم بملاكات الأحكام ، أي الوقوف على المصالح والمفاسد ، ونظراً لكون الإمام معصوماً فإنّه سوف يحكم طبقاً لتلك المصالح والمفاسد ، نعم لو لم تكن له القدرة على الوقوف الفعلي على المصالح والمفاسد فإنّه لا يتسنّى له الجعل بل لا يصحّ منه إذا
التزمنا بشرطيّة العلم بالملاك ، وأمّا إذا اشترطنا العلم بحصول المطابقة بين جعله والملاك فإنّه يكفي في إمكان جعله عصمتُه ، ولكننا سنلتزم بشرطيّة الوقوف الفعلي على الملاكات لا بشرطيّة العلم بحصول المطابقة فحسب .
وحيث إنّنا نفترض في الإمام أن يكون واقفاً فعلًا على ملاكات الأحكام ، فإنّه يمكنه جعل أحكام على طبقها ؛ فأهليّة جعل الحكم متوافرة تماماً ، فلا ضير من الالتزام بذلك ، بل هنالك مصلحة عظيمة تترتّب على الالتزام بمُشرّعياته ، كما سيأتي .
أمّا نقلًا ، فإنّ هنالك إشارات قرآنيّة إلى هذا المعنى ، كما في قول الله تعالى : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا « 1 » ، وفي قوله تعالى : إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالَحقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُن لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً « 2 » ، فقوله بِمَا أَرَاكَ اللهُ . . . فيه إشعار إلى وقوفه الفعلي على ملاكات الأحكام فضلًا عن الأحكام ، فيأمره بالحكم في ضوء وقوفه الفعلي ذلك . وممّا يساعد على ذلك أنّه تعالى لم يقل في هذه الآية : لتحكم بين الناس به ( أي : بالكتاب المنزل ) ، وإنّما قال : بِمَا
هامش
( 1 ) الأحزاب : 36 .
( 2 ) النساء : 105 .