سابق « 1 » أنّه باختلاف المراتب المعرفية تختلف مراتب ودرجات التكليف ، فكلّما ازدادت درجات المعرفة تعمّقت العبودية لله سبحانه وعظمت الطاعة له ،
فإذا ما سلّمنا بأنّ مستويات التكاليف الإلهية رهن بدرجات العقول والمراتب المعرفية للسائرين فإنّ هذا يعني أنّ التكاليف الإلهية مأخوذة على نحو الكلّي المشكّك فيختلف سقفها وأفقها باختلاف المعرفة ، إمّا بزيادة مفرداتها أو بزيادة مراتب مفرداتها ، فيكون الأصل محفوظاً ولكنّ درجة المطلوب منه سوف تتحدّد بحسب الرقعة المعرفية التي تحقّق بها الرائي .
إذا كان الأمر كذلك فإن ممّا لا ريب فيه أن تكون هنالك تكاليف جديدة طولًا وعرضاً تحتّم على العارف الالتزام بها ، وهذه التكاليف المعارفية المولد سوف تحتاج إلى ما يناسبها من الصبر عليها ؛ ما يعني أنّ الملاكين الظاهرين لنا من جوّ آية الإيقان في مقام الإمامة هما الإيقان والصبر ، وهذا هو المناسب حتّى لظاهر الآية الكريمة : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لما صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ « 2 » فهم في رتبة كانوا موقنين إيقاناً مصحوباً بانكشاف الملكوت ثمّ صبروا على معطيات ذلك الإيقان المعارفي ، وفي ذلك إشارة إلى عظمة ما تحقّقوا به من مظهرية الصبور ، وإنّ مراتب الصبر هذه لهي أرفع وأشرف بكثير من مراتب الصبر الحاصلة قبل الإيقان وانكشاف الملكوت لهم عليهم السلام ، وإن كنّا نعتقد اعتقاداً راسخاً أنّهم عليهم السلام ما انْفَكُّوا عن الإيقان والكشف طرفة عينٍ أبداً ، وبذلك يكون الصبر الصادق عليهم والواقع منهم هو خصوص الصبر بعد الإيقان ، فيكون الصبر بعد الإيقان هو المقصود من فردَي الصبر
هامش
( 1 ) انظر : الفصل الثالث من الكتاب ( مراتب المعرفة ) .
( 2 ) السجدة : 24 .