تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
العبادة وإن كانت محبوبة بنفسها ( بمعنى أنّ الإنسان يحبّ لنفسه أن يكون عابداً ) ولكنّ النفس بطبعها تنفر من العبادة وإدامتها إمّا نتيجة حبّها للراحة والاسترخاء والكسل ، كما في العبادات اليوميّة ، وإمّا لحرص وبخل وشُحّ « 1 » ، كما في الحجّ والجهاد بالمال ودفع الحقوق الشرعيّة . ولأجل صعوبة ذلك يحتاج الإنسان العاقل أن يتأمّل ويدقّق كثيراً في تصحيح النيّة والإخلاص ، فربّما يدفع البعض حقوقه الشرعيّة بغير رضىً منه أوبانزعاج وتنفّر ، فيغفل بذلك عن قصد القربة من الله تعالى ، فيكون قد خسر ماله وأجر عمله هذا « 2 » . هذا في الطاعات ، وأمّا المعاصي فإنّ أشدّها على الإنسان والتي تحتاج إلى صبر عظيم منه هي المعاصي التي تكون ميسّرة وسهلة على صاحبها ، كالغيبة والكذب والبهتان والثناء على النفس بما ليس فيها ونفي محاسن الآخرين بما هم عليها . إنّ الذات الإنسانيّة تميل ميلًا كثيراً إلى إثبات الكمالات لها ، ونفيها عن غيرها ، ولأجل هذا الميل الشديد يحتاج الإنسان إلى صبر عظيم لكبح هوى النفس عن مدحها ولجمها عن ذمّ غيرها . إنّ التحكّم بهوى النفس أمر عظيم وديمومته أمر أعظم ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ « 3 » . وما أعظم من ذلك هو الصبر على أذى الآخرين وعدم دفعه بالمثل مع القدرة عليه ، شرط أن لا يصل المقام به إلى حدّ الإذلال ، وإلّا فَقَد يجب
هامش
( 1 ) الشحّ أشدّ من البخل ، والبخل أشدّ من الحرص . ( 2 ) المراد من الحقوق الشرعيّة خصوص الزكاة الماليّة والبدنيّة والخمس . ( 3 ) فصلت : 36 .