وإن كان ذلك ابتهاجاً منهم ورضىً بما أولاهم ربّهم ، فإنّه صبر العارفين
وإن كان في صورته الظاهرية أمراً مكروهاً .
إنّ صبر العارفين يأخذ طابع الحبّ والوله بما جاء به المحبوب ، وأولئك الذين بشّرهم ربّهم بصلواتٍ ورحمة وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمهْتَدُونَ « 1 » .
يُروى أنّ جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله مرض ، فعاده الإمام محمد الباقر عليه السلام فسأله :
« كيف تجد حالك ؟ »
قال : أنا في حال الفقر أحبّ إلَيَّ من الغنى ، والمرض أحبّ إليَّ من الصحَّة ، والموت أحبّ إليَّ من الحياة .
ولا ريب أنّ الفقر والمرض والموت ابتلاءات تحتاج إلى صبر شديد ، وقد كان جابر يطلب بذلك أجر الآخرة إلا أنّه قدّم ما يحبّه هو ، وإن كان يستلزم منه صبراً ، ولم يقدّم ما يريده الله تعالى ، ولذا أجابه الإمام عليه السلام بقوله : « أمّا نحن أهلَ البيت ، فما يرد علينا من الله من الفقر والغنى والمرض والصحّة والموت والحياة فهو أحبُّ إلينا » « 2 » ، لأنه من عطايا المولى القدير ، وكلّ ما هو آتٍ منه فهو محبوب ومطلوب .
ولعلّ صبر العوامّ ينسجم مع الوقوف الصوريّ الساذج ، كما أنّ صبر العبّاد الزهّاد ينسجم مع الوقوف الصوريّ التحقيقي ، ويكون الوقوف التصديقي التحقّقي منسجماً مع صبر العرفاء ، والعارف هو كلّ من وقف على معرفة الله تعالى وتحقّق بها ، وهو العالم الربّاني ، ودونه إمّا متعلّم على
هامش
( 1 ) البقرة : 157 155 .
( 2 ) جامع السعادات ، مصدر سابق : ج 3 ص 285 .