الدنيا والميل إلى الراحة والدعة والطمع بجوائز السلطان غلبت عليهم ، فلم تنفعهم معرفتهم الصورية التحقيقيّة بالإمام فباع بعضهم دينه ومعرفته ونصرة إمام زمانه بدراهم معدودة « 1 » ، وباع آخرون كلّ ذلك وزادوا في الطين بلّة حين اصطفّوا مع الطواغيت في خندقٍ واحد « 2 » .
ومن ثمّ فهذا النمط المعرفي وإن كان يحقّق الحدّ الأدنى من المعرفة المطلوبة إلّا أنّه لا يحمل معه ضمانة الالتزام به . إنّه وقوف يدعو الإنسان إلى صقل مواهبه وتغيير سلوكه ويرغّبه بامتطاء الجادّة ، إلّا أنّه لا يحمله على ذلك ، فيبقى الإنسان رهناً لنوازعه ورغباته وأهوائه .
وينبغي أن يعلم أنّ الاستجابة لتلك الدعوة ، وهذا الوقوف المعرفي ، والظهور بالوقوف على الجادّة ، لا يعني صلاح الإنسان وسلامة موقفه ، فقد يكون ذلك التحرّك وإن وافق الحقّ ظاهراً جاء نتيجة حسابات مادّية مسبقة ، كالذي كان يقاتل مع الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله من أجل نخيلاته أو شويهاته أو أحساب قومه « 3 » .
هامش
( 1 ) كعبيد الله بن العباس الذي كان قائداً لجيش الإمام الحسن عليه السلام فأغراه معاوية بدراهم فاستجاب له ، مع أنّ معاوية كان قد قتل ولديه في اليمن .
( 2 ) كأتباع عبيد الله بن زياد حيث خرجوا إلى حرب الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء رغم أنّ كثيراً منهم كانوا ممّن يجلسون تحت منبر أمير المؤمنين عليّ عليه السلام فخذلوا أباه وطعنوا أخاه وتجمّعوا لقتاله ، مع أنّ صور النخيلة ما زالت ماثلة أمامهم والنخيلة موقع كان يتجمّع فيه جيش الأمام أمير المؤمنين عليه السلام إلا أنّ شقوتهم قد غلبت عليهم ، والعبرة بالخواتيم .
( 3 ) يُذكر أنّ رجلًا يدعى ( قزمان ) قاتل مع الرسول صلى الله عليه وآله قتالًا شديداً فلمّا أوقعته الجراح حمله المسلمون وقالوا له : أبشر يا قزمان فقد أبليت اليوم . فقال لهم : بم تبشِّرون ؟ ما قاتلتُ إلّا عن أحساب قومي ، ولولا ذلك ما قاتلت ! فلمّا اشتدّت عليه / / الجراح أخذ من كنانته شقصاً نصل عريض فقتل به نفسه . انظر : بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 20 ص 98 .