تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
إلى الحقّ ، ودرجة التحقّق هذه تشكيكيّة ، أي أنّها ذات مراتب لا عدّ لها ولا حصر ، لأنّها سير في المطلق وتحقّق بقدر إناء السائر لا المسار فيه ، أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا . . . « 1 » ، فلم يكن السيل والتحقّق بقدر المسار فيه وإنّما بقدر السائر نفسه . إنّه طريق شاقّ طويل ، أوّله الخروج من تبعات عالم المادّة وحاكميّته ولكن لا آخر له البتّة ، فلا يملك السائر في الحقّ إلّا أن يغلق دائرة سيره أو تُغلق هي بالفعل لتحوّل تمام استعداده إلى فعل ، فيعود بما تحقّق به ليأخذ موقعه في الحياة هادياً ومرشداً بقدر ما يسمح له ، وهذا هو حال السواد الأعظم من العرفاء ، وإمّا أن يواصل سيره لعدم نفاد استعداده ، فيمضي والتأوّه لسان حاله : « آه من قلّة الزاد وطول الطريق وبُعد السفر » « 2 » ، فإن حصلت استعدادات أخرى يولّدها عمل العائد فله العود والكرّة مرّة أخرى لسفره الثاني بغية التزوّد مجدّداً بالمعارف الحقّة . وأمّا المستوى الثالث فذلك نصيب من أغلق دائرة السير في أسفاره العملية الأربعة ليعود إلى الخلق بعد أن انطلق منهم ولكنّه عود بالحقّ ، يُبصر بالحقّ ويسمع بالحقّ وينطق بالحقّ ، وبذلك تصطبغ كلّ حركاته وسكناته بالحقّ . وفي هذا المستوى المعرفي الأعلائي جدّاً ، وهو ما يصل إليه المعصوم عليه السلام يصبح القارئ تحقّقاً مقصوداً لتلك الحقائق القرآنية الحقّة ، ومعنى كونه مقصوداً لها هو أنّه سوف يسمع ذلك النداء الإلهي الذي نزل على قلب النبيّ الطاهر صلى الله عليه وآله نازلًا عليه وبلا واسطة ، وعندئذ يحقّ للسامع بالحقّ بعد أن يغشاه جلال الله سبحانه أن يقع بين يدي المنادي مغشيّاً عليه .
هامش
( 1 ) الرعد : 17 . ( 2 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق : رقم الحكمة ( 77 ) .
معرفة الله — صفحة 169 | السيد كمال الحيدري