وقبل إيضاح هذين المجالين لابدّ أن نعرف أوّلًا أنّ قوله عليه السلام : ( مَنْ خوطب به ) لا يعني بالضرورة شخص النبيّ صلى الله عليه وآله أصالةً ، وعترته الطاهرة عليهم السلام وراثةً ، فإنّ هذه الوجودات الشريفة إنّما تُمثِّل المرتبة الأعلائية ممّن خوطبوا بالقرآن الكريم ، ونكتة كونهم مخاطبين بالقرآن
الكريم هو حيازتهم ملاك المخاطبة من قبل الله تعالى سواء كانت مخاطبتهم بواسطة أو بغير واسطة .
وملاك الأهلية للمخاطبة الإلهية لهم هو انفتاح قلوبهم الشريفة على عالم الغيب ووقوفهم على الحقائق والبواطن فضلًا عن الرقائق والظواهر .
إذا اتّضح ذلك فاعلم أنّ المجال المعرفي الثاني ( الباطن الحضوري ) وهو الانفتاح على الغيب ، يوفّر للداخل فيه فرصة المخاطبة الإلهية بالقرآن .
بعبارة أخرى : إنّ من ملك الاستعداد وأهليّة الوقوف على الحقائق الغيبيّة بعد أن صارت مرآة قلبه صقيلة أو مزكّاة من الشوب ، سوف يجد نفسه مُخاطباً بالقرآن الكريم .
وبوجود هذه النكتة سوف يتّضح لنا سرّ حالة الإغماء أو الغشية التي تنتاب البعض عند الصلاة أو عند تلاوة القرآن ، ولعلّنا نقف عند هذا المعنى عمّا قريب .
وعليه فمن وقف على الغيب يكون قد قوي على التأويل وصار من المخاطبين بالقرآن إلهيّاً ، هذا ما يتعلّق بالمجال الثاني .
وأمّا المجال الأوّل ( الظاهر الحصولي ) فإنّه بنفسه لا يتوقّف على الانفتاح على عالم الغيب ولكن الاستقلال به بعيداً عمّن خوطب بالقرآن أوّلًا وأُنزل على قلبه الشريف صلى الله عليه وآله سوف يجعل صاحبه الذي قد يسمّى مفسِّراً وهو ليس كذلك وإنّما هو عامل بالرأي بعيداً عن دائرة
معرفة الله — صفحة 159
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٥٩