وقد عرفت أنّ المعارف الحصولية العقلية لا تنتج إلّا إدراكاً ناقصاً
لتلك الحقائق الوجودية ، فلا يسمح ظرفها وسقفها المعرفي أن تتجاوز دائرة الإعداد الأوّلي للوقوف على جادّة الطريق ، و « أمّا إذا رام الإنسان استكمال الشوط فذلك لا يكون إلّا بقدم الولاية « 1 » ، حيث يبلغ ذلك الوضع الذي يقع فيه تجلّي الحقّ في قلبه بجميع أبعاده ، فالله سبحانه قد تجلّى لعباده في كتابه من غير أن يكونوا رأوه » « 2 » .
ولا ينبغي الإغفال عن أهمّية الظاهر القرآني الذي عرفت أنّه يُمثِّل المعنى الأوّل المتبادر من العبارة ، فإنّ إتقان الظاهر شرط في الوصول إلى الباطن ، كما هو الحال في أيّ فرض عباديّ فإنّ باطنه معلّق على الإتيان بظاهره والالتزام به .
وصحّ قول الغزالي في المقام أنه : « لا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر . ومن ادّعى فهم أسرار القرآن ولم يُحكم التفسير الظاهر ، فهو كمن يدّعي البلوغ إلى صدر البيت قبل مجاوزة الباب . . . » « 3 » .
وينبغي أن يُعلم بأنّ الوقوف على جملة من الحقائق القرآنية الوجودية الثابتة عند الله سبحانه دون الإحاطة بالحقيقة الجامعة لها ، يرجع في حقيقته إلى أمرين هما :
الأوّل : الاستعداد المسبق لتحمّل تلك الحقيقة الجامعة ، فإنّ حقيقة قرآنية واحدة من مجموع حقائقه قد يعسر حملها على البعض فكيف بالحقيقة
هامش
( 1 ) التي تبدأ باللطائف وتنتهي بالحقائق وراثة .
( 2 ) تأويل القرآن ، مصدر سابق : ص 188 .
( 3 ) إحياء علوم الدِّين ، لأبي محمّد محمّد بن محمّد الغزالي ، نشر دار المعرفة ، بيروت ، 1402 ه : ج 1 ص 291 .