كذلك ، فإنّ استجلاء الحقائق الآفاقية تحقيقاً لا تحقّقاً لا يتوقّف البتّة على وقوف العارف على الآية الأنفسية شهوداً ولا حصولًا .
ولذلك نجد كثيراً من الناس على دراية كبيرة بأسرار الطبيعة برّاً وبحراً وجوّاً ولكنّه جاهل بحقيقة نفسه ، وهذا النمط المعرفي ( الحصولي ) كاشف إنّي عن عدم وجود ترابط حقيقي بينه وبين المعارف الأخرى ، كما هو الحال في العلوم المختلفة التي نقف عليها في دراستنا الأكاديمية ، فعلم النحو مثلًا لا علاقة له بحقائق الطب ، وعلم الطب لا علاقة له بالحقائق المبحوثة في علم الاقتصاد ، وهكذا ، إلّا بحدود ضيّقة جدّاً ، بخلاف العلوم الحضورية
الحقّة فإنّ كلّ مرتبة معرفية فيها تطلّ بالعارف بها على مراتب أخرى لأنّها حلقات يتبع بعضها بعضاً لترسم للعارف بها في خاتمة المطاف المعرفي الحقيقة الواحدة والوجود الواحد المرئيّ له تحقّقاً بمراتب .
إنّ هذه الوحدة المعارفية الحقّة في دائرة الحضور واختلافها الكبير في دائرة الحصول يكشفان لنا البينونة الواضحة بين عالم الوحدة وعالم الكثرة ومقتضيات كلّ عالم منهما ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » .
ولعلّ هذا الترتّب المعرفي في المعارف الحضورية يُفسِّر لنا قول أمير المؤمنين عليّ عليه السلام : « علّمني رسول الله صلى الله عليه وآله من العلم ألف باب فانفتح لي من كلّ باب ألف باب » « 2 » . فقوله عليه السلام : ( فانفتح لي من كلّ باب . . . ) فيه إشارة واضحة إلى ترابط الحلقات المعرفية في المعارف الحضورية .
هامش
( 1 ) النساء : 82 .
( 2 ) شرح مئة كلمة ، كمال الدِّين ميثم بن علي البحراني : ص 56 ، نشر جماعة المدرّسين ، قم .