وأمّا الوقوف الثاني التحقيقي البرهاني فهو المستفاد عادةً والمتبادر إلى الذهن عندما يجري البحث في الآيات الآفاقية ، ولذلك نجد جملة من الأعلام إنّما يقدّمون المعرفة الأنفسية على الآفاقية لهذه النكتة لا غير ، حيث يرون أنّ الآيات الآفاقية هي مجال البرهنة الحصولية على وجوده سبحانه وتوحيده ، وربما معرفته أيضاً ، مع أنّ معرفته سبحانه بالمعنى الذي نؤمن به لا تكفله لنا العلوم الحصولية قاطبةً ، بل إنّ التوحيد التامّ الخالي من كلّ
شوب والمتوقّف هو الآخر على معرفة الله الحقّة لا تكفله لنا المعرفة الحصولية أيضاً .
فغاية ما تُقدِّمه لنا العلوم الحصولية في المعارف الإلهية هو العلم بالشيء بوجوده الذهني لا غير ، وقد عرفنا الفرق بين العلم بالشيء تحقّقاً وبين العلم بالشيء صورة .
وربما لصورية الاستدلالية العقلي القطعي سُمّي المنطق الأرسطي الذي هو آلة العلوم الاستدلالية بالمنطق الصوريّ .
وعلى أيّ حال ، فإنّ الوقوف الصوريّ الاستدلاليّ لا الساذج يقدِّم لنا الحدّ الأدنى من المعرفة المطلوبة في المعارف الإلهية بخلاف الوقوف الشهودي فإنّه يُمثِّل المرتبة الأعلائية من المعارف الإلهية ، وإن كان هو الآخر يتضمّن مراتب لا حصر لها لا مرتبة واحدة فحسب .
ما نريد الإشارة إليه في المقام هو إلفات النظر إلى التوهّم الذي وقع فيه جملة من الأعلام وربما يقع فيه آخرون وهو حصر الآيات الآفاقية في دائرة العلوم الحصولية دون النظر إليها من زاوية الكشف والشهود ، وكأنّ مجال الآفاقية هو التحقيق فقط لا التحقّق أيضاً .
ولعلّ ما يُبرّر ذلك هو قصر النظر على كون الآيات الآفاقية هي الأثر
معرفة الله — صفحة 126
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٦