تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
الْغَنِيُّ الحَمِيدُ « 1 » ، فالخطاب موجّه للناس أجمعين ممّن كان غنيّاً مادّياً ( ما يقابل المعنى الأوّل للفقر ، أي : ليس فقيراً عرفيّاً وشرعيّاً ) ، وممّن كان يائساً عمّا في أيدي الناس ( المعنى الثاني للفقر ، أي : الغنى الحاضر وعدم الفقر إليهم ) ، فهؤلاء أغنياء ، إمّا عرفاً وشرعاً ، وإمّا روائياً كما في الثاني ، فلماذا يُخاطبون بالفقرية ؟ ما ذلك إلّا لأنّهم معانٍ حرفية تحتاج في أصل وجودها وظهورها إلى معانٍ اسمية مستقلّة ( والله هو الغنيّ الحميد ) . فتكون إشارية الآية إلى الفقرية بمعناها الحرفي هي الأقرب من المعاني الأخرى ، فهذه الفقرية إذا أبصرها الإنسان حقّاً وتحقّقاً فإنّه يكون قد أبصر كماله الذاتي حيث انحصار دائرة ارتباطه بالكمال المطلق ، وإغلاق جميع الدوائر الأخرى في سيره ومسيرته المعرفية ، فلا يُشير القلب إلّا إلى هدفه وغايته الأولى التي خُلق من أجلها من قبل « . . فخلقتُ الخلق لكي أُعرف » « 2 » . وفي ضوء ذلك سيظهر لنا وجه دقيق وعميق لقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله : « الفقر فخري وبه أفتخر على سائر الأنبياء » « 3 » ، فإنّه صلى الله عليه وآله لم يكن يرى نفسه فقيراً أبداً إلّا إلى خالقه جلّ وعلا . وكيف يفتقر صلى الله عليه وآله لمن هو دونه ؟ ! وكيف يرى لنفسه الأشرف وجهَ احتياج لسوى ربّه وهو الذي ينحدر عنه السيل برمّته ، إجمالًا وتفصيلًا في قوس النزول ، ولا يرقى إليه الطير إجمالًا وتفصيلًا في قوس الصعود ؟ !
هامش
( 1 ) فاطر : 15 . ( 2 ) حديث قدسيّ سبق تخريجه . ( 3 ) بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 69 ص 32 .