خطابها عامّاً وللناس أجمعين ؛ جرياً على طريقته العامّة في تعاطيه مع مُخاطبيه ، حيث لا يتوسّل بالطريقة الدقّية العقلية ، ولا يبني أحكامه الشرعية على أساس الفهم الفلسفي والعرفاني ، وإن كان يشير إلى ذلك أحياناً من خلال تفصيله في بعض المراتب العبادية ، ولكنّه لا يوجب مراتبها العُليا على مخاطبيه ، وإنّما يترك ذلك السير المعرفي للإنسان كما هو الحال في الصوم ، فإنّه يوضّح لنا أنّ مراتبه ثلاث ، وهي :
1 مرتبة الامتناع عن المفطرات الحسّية ، كالأكل والشرب والجماع وما شابهها ، وهذا ما يُطلِق عليه الأخلاقيّون « مرتبة صوم العموم » .
2 مرتبة يمنع الصائم فيها عينه وأُذنه ولسانه ويده ورجله عن الوقوع في الحرام ، فلا يطّلع على عورات الناس ، ولا يسمع ما يسوؤهم سماعه ، ولا يتطاول بلسانه على أحد ولا تمتدّ يده إلى محرّم ولا تسير قدمه في طريق محرّم ، ولا ريب في شرفيّة هذه المرتبة وتقدّمها على المرتبة السابقة ، ولذا يُطلق الأخلاقيون على هذه المرتبة « صوم الخصوص » .
3 مرتبة يمنع الصائم فيه ورود الخواطر المحرّمة والمثيرة للشبهة على قلبه ، ويقطع عنه الهمّ بارتكاب المعصية ، وهي المرتبة الأشرف من بين المراتب الثلاث ، ويُطلق عليها مرتبة صوم خصوص الخصوص أو « الصوم الأخصّ » .
ولعلّ هنالك مرتبة هي الأشرف من كلّ ما تقدّم ، وهي أن لا يرد على قلب الصائم إلّا ما هو حقّ ، وبتبع ذلك تكون جميع حركاته وسكناته حقّاً .
وعلى أيّ حال ، فالفهم الأوّل العرفي والشرعي ليس هو المقصود من الفقرية في المقام ، وأمّا الفهم الآخر للفقرية وهو ما يتعرّض إليه الشارع المقدّس أيضاً فهو اليأس عمّا في أيدي الناس أجمعين ، وقصر النظر على فضل
معرفة الله — صفحة 108
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٠٨