مطلق إلّا بعد حجب القوّة العاقلة والتحكّم فيها ، وبقدر حاكميّتها وسعة نفوذها يمكنها تحقيق القدر المناسب من أهدافها وأغراضها .
فالشهوية مثلًا كمالها الشخصي الذي تطلبه حثيثاً هو الإشباع بأيّ طريق كان ، فهي تطلب الغذاء والجماع والمتع الأخرى دون أن تشترط شيئاً في مصادرها ، فهي لا تُريد أن تكون جائعة أبداً .
وما لم يكن الإنسان متشرّعاً ومتمدّناً فإنّه سوف ينساق في تحقيق مآرب القوّة الشهوية ، كما هو الحاصل عياناً في مجتمعاتنا المختلفة ، وهكذا الحال في سائر القوى الأخرى ؛ أعني : الغضبية والوهمية .
ولا يخفى أنّ الأصل في القوّة الشهوية هو حفظ البدن والنوع ؛ فبطلبها للغذاء يُحفظ البدن من التلف ، وبطلبها للنكاح يحفظ النوع من الاندراس ، ولا ريب أنّ حفظ البدن والنوع أمران عُقلائيّان مطلوبان للقوّة العاقلة نفسها . فالقوّة العاقلة لا يمكنها أخذ الإنسان إلى الجادّة بدون بدن ، فلابدّ
أن يكون موجوداً ( حفظ النوع ) ، ولابدّ أن يكون سليماً ( حفظ البدن ) بالقدر الذي يُمكّن الإنسان من أداء مهامّه ؛ ما يعني أنّ قوام عمل القوّة العاقلة كامن بأدواتها الثلاث ، أعني : قوى النفس الأخرى ، فإذا ما رُوّضت هذه القوى الثلاث وسارت في ركب القوّة العاقلة فإنّ كلّ واحدة منها سوف تكون وجهاً من وجوه القوّة العاقلة ومظهراً لها ، وهذا يعني انقلاب هذه القوى من قوى ظلمانية تدور في فلك النقص إلى قوى نورانية تدور في فلك الكمال .
إنّ طولية حركات وسكنات القوى الثلاث لحركة القوّة العاقلة هي الصورة التي ينبغي للإنسان أن يكون عليها ، حيث تكون نفسه مطمئنّة وذلك بالانقياد التامّ من قبل القوى الثلاث لقوّة العقل وحصول
معرفة الله — صفحة 106
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٠٦