تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الله — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
واقعاً لا يمكنه إنكار حقيقة عطشه أبداً ولا يغفل عن حقيقة عطشه ولا يمكنه منع نفسه عن طلب الماء لها ، وإن كان بإمكانه عدم التحرّك نحوه وعدم الشرب أيضاً ، ولكنّ هنالك فرقاً كبيراً بين إرادة الماء وطلبه ومنع النفس عن ذلك وبين عدم شربه . ولا يخفى الفارق الحقيقي بين الانفتاح على حقيقة النفس الفقرية الطالبة كمالاتها ذاتاً وبين مثال العطشان الطالب للماء ذاتاً ، فالأوّل يتوجّه بكلّيته نحو هدفه ومطلوبه ، وليس الأمر في الثاني كذلك . إنّ النفس الإنسانية واحدة لا غير ولكنّها تتمتّع بعدّة قوى ، فإذا ما عُبّر عنها قرآنيّاً بالنفس الأمّارة أو النفس اللوّامة أو النفس المطمئنّة ، فإنّها جميعاً ترمز إلى أحوال النفس الواحدة لا إلى وجود عدّة أنفس ، كما أنّه يعبّر عن قواها الفعلية بالعقلية والشهوية والغضبية والوهمية . وهنالك ما يُبرّر هذه الإطلاقات القرآنية الثلاثة على النفس الإنسانية الواحدة ، والذي نراه في المقام هو أنّ قوى النفس الأربع الفعلية هي التي تدور في فلكها النفس ، بل هي بمجموعها تساوي النفس ، وإنّ الإطلاقات القرآنية كما عرفت تمثِّل أحوال النفس لا شخصها أو قواها . توضيحه : إنّ قوى النفس الأربع في صراع مستمرّ ، وكلّ واحدة تُريد أن تُحقّق أهدافها ، ولا ريب أنّ هدف القوّة العاقلة هو الوصول بالإنسان من خلال تطويع قواه الأُخَر وجذبها إلى عالم الطهر والقرب الإلهي . وأمّا القوى الثلاث الأُخر فإنّها وإن اختلفت متعلّقاتها إلّا أنّها تشترك جميعاً في أنّ أغراضها العمياء المطلقة لا يمكن إطلاق العنان لها إلّا بحجب القوّة العاقلة ، ولذا فهي تتّحد دائماً فيما بينها ولو اتّفاقاً إلى إطفاء نور القوّة العاقلة وإبطال حاكميّتها .
معرفة الله — صفحة 103 | السيد كمال الحيدري