بالوقوف الأوّل في بحث الأسماء الحسنى ، وهو الوقوف الظاهري الساذج ، فذلك كالراقم على الماء « 1 » فلا يزيده وقوفه هذا إلّا بُعداً عن المنال ، فهو عامل أيضاً ولكن بغير بصيرة ، و « العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلّا بُعداً » « 2 » .
ولا ريب أنّ هذا الوقوف الصوريّ المحض لا يُمكِّن صاحبه من الهجرة ولو جزئياً من عالم المادّة وتعلّقاتها ، فإنّه سيبقى متخبّطاً فيها معتقداً فيها كمالاته المتوهّمة ، فلا يكاد يخرج من قبو إلّا وهو داخل في آخر أشدّ منه حلكةً وظلاماً .
ولا يتوهمنّ أحد أنّ ترك الدُّنيا وتعلّقاتها أمرٌ يسير يمكن معالجته بكلمة أو يُداوى مرضها بمجرّد ذكر أو دعاء ، فتلك أماني الغافلين ، وقد ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قوله : « ترك الدُّنيا أمرّ من الصبر ، وأشدّ من حطم السيوف في سبيل الله عزّ وجلّ » « 3 » .
إنّ أيّ ذنب يرتكبه الإنسان يعتبر موطئ قدم لدخول الشيطان وسيطرته ، يحتاج مَحْوه إلى توبة واستغفار ، وإنّ أيّ مرض معنويّ يُصاب به الإنسان فإنّه قاعدة جديدة يستقرّ فيها الشيطان ، يحتاج الإنسان فيها إلى مجاهدة ومثابرة ومواصلة لمحو القاعدة من أرضيّة النفس .
فإذا كان الذنب موطئ قدم ، والمرض الواحد قاعدة للشيطان نفسه ، فكيف بمن صار قلبه مرتعاً للشيطان ولم يبق فيه موطئ قدم لغيره ؟ !
إنّ الخروج من التعلّقات المادّية ينبغي أن يتدرّج الإنسان فيه ، والتدرّج
هامش
( 1 ) أي : الذي يكتب على الماء ، حيث لا يبقى من كتابته هذه عينٌ ولا أثر .
( 2 ) أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 1 ص 43 ح 1 .
( 3 ) ميزان الحكمة ، مصدر سابق : ج 2 ص 923 ح 6088 .