ولكن هذا لا يمنع من كون جميع علومهم الكشفية والشهودية بحيث إذا ما أرادوا إيصالها لنا وذلك عندما يكونون في المقام الثاني وهو الإثبات لا في المقام الأوّل وهو الثبوت فإنّ عليهم إقامة الدليل ، فهم مطالبون أيضاً بإقامة الدليل القطعي على ما يفيدونه ، وإلّا فهو حجّة لهم وعليهم لا غير « 1 » .
ولا ينبغي الإغماض عن أهمّية وجود الأستاذ العارف المعتدّ به الواقف على دقائق الأمور والمحصّن بالدليل والصادق بالعمل لا سيما في المراحل الأولى من السير والسلوك « 2 » .
هامش
( 1 ) جاء تفصيل ذلك في كتاب « من الخلق إلى الحقّ » ، مصدر سابق : ص 135 .
( 2 ) إنّ الالتزام بضرورة وجود أستاذ في مراحل السير والسلوك أو عدمه هو مسألة خلافيّة ، فممّا يُنقل عن أحد العارفين أنّه قد سأله رجل : هل السير إلى الله يحتاج إلى وجود أستاذ ؟ فقال : أستاذك هو علمك ؛ اعمل بما تعلم يكفك ما لا تعلم . وسُئل مرّة أخرى عن طريق السير والسلوك فأجاب : لو كان الطالب صادقاً فإنّ ترك المعاصي كاف وواف لكلّ العمر وإن دام ألف سنة ( انظر : أسوة العارفين ، إعداد وترجمة محمود البدري ، نشر مؤسّسة المحبّين ، 1424 ه قم : ص 138 ) . في حين إنّ أستاذ العرفاء السيّد علي القاضي رحمه الله كان يرى ضرورة وجود أستاذ يرجع إليه طلّاب السلوك ، حيث يقول : لو صرف طالب سلوك طريق الله نصف عمره في التفحّص والبحث من أجل العثور على أستاذ يدلّه في طريقه كان محقّاً . ويقول أيضاً : من عثر على الأستاذ طوى نصف الطريق . ولكنّه يضع شروطاً عديدة في الأستاذ بقوله : أهمّ ما يلزم في هذا السبيل هو الأستاذ الخبير البصير ، والإنسان الكامل المتخطّي للهوى ، والواصل إلى المعرفة الإلهية ، الذي طوى مضافاً إلى السير إلى الله ثلاثة أسفار أخرى ، وغدا سائراً متأمِّلًا في عالم الخلق بالحقّ . انظر : رسالة السير والسلوك للسيّد بحر العلوم ، شرح السيّد محمّد حسين الطهراني ، نشر مؤسّسة ترجمة ونشر دورة العلوم والمعارف الإسلامية ، مشهد ، الطبعة الأُولى ، 1426 ه : ص 233 . /
/ وكيف كان فالذي يبدو من كلمات مجموعة أهل هذا الفنّ والاختصاص هو أهمّية وجود الأستاذ وليس ضرورته ، لاسيّما إذا كان الأستاذ وارداً ضليعاً فإنّ الساعة معه ينال فيها الطالب ما لم ينله بعام وربّما بأعوام بدونه . فالسير بدونه ليس ممتنعاً ولكنّه بطيء وخطير ، ومعه سهل ويسير وأمين . ولا يخفى أنّ كلّ ذلك موكول إلى استعدادات وقابليّات السالك ، فقد يكفي السالك لحظات أو ساعات وقد يحتاج إلى سنوات وقد لا يكفيه عمر نوح عليه السلام ، فذلك بشر الحافي رحمه الله قد تحوّل بكلمتين من الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام ، في حين إنّ جبابرة قريش عاشوا أكثر من نصف قرن مع الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وهم صرعى لشقوتهم وكأنّ قلوبهم كالحجارة بل هي أشدّ قسوة .